الدعم السريع يعرض حطام يثبت امتلاكه نظام الدفاع الجوي الصيني FK-2000

وفقًا لتحليل نشرته مجموعة “Mintel World” المختصة بالاستخبارات مفتوحة المصدر، تم العثور على الجزء المعزّز لصاروخ دفاع جوي يعود لمنظومة “FK-2000” الصينية، بالقرب من موقع تحطّم طائرة النقل “إيلوشن-76” التي أعلنت قوات الدعم السريع إسقاطها، زاعمة أنها تابعة للجيش السوداني.

وأعلنت المجموعة في تقريرها أن الصور الميدانية التي جرى تحليلها تُظهر بوضوح أجزاء تعود للمعزّز الصاروخي المستخدم في منظومة “FK-2000″ قصيرة المدى، الأمر الذي يعزّز — وفق تقديراتها — صحة الأنباء المتداولة حول امتلاك قوات الدعم السريع لهذه المنظومة واستخدامها فعليًا في إسقاط الطائرة.

ونقلًا عن الخبراء المشاركين في التحليل، يُعد وجود هذه الأجزاء دليلًا مادّيًا يصعب تجاهله، إذ تتطابق مواصفاتها مع مكونات الصاروخ المستخدم في النظام الدفاعي المذكور، كما أن موقع العثور عليها قريب جدًا من نقطة سقوط الطائرة، ما يرجّح أن عملية الإسقاط تمت بواسطة صاروخ موجّه من طراز “FK-2000″.

ويشير التقرير إلى أن حصول أي طرف غير حكومي على منظومات دفاع جوي متقدمة كهذه يشكّل تطورًا مهمًا في مسار الصراع، لما يوفره النظام من قدرة على استهداف الطائرات على ارتفاعات منخفضة ومتوسطة، إلى جانب سرعة رد الفعل ودقة التوجيه. كما يرى محللون أن استخدام هذا النوع من المنظومات يرفع مستوى التهديد الجوي ويعقّد العمليات الجوية للجيش السوداني في مناطق الاشتباك.

تركيا تبدأ إنتاج دبابة التاي المحلية وتدخل مرحلة جديدة في الصناعات الدفاعية

في احتفال رسمي أقيم قرب العاصمة أنقرة، دشّن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومعه كبار قادة الجيش ووزراء الحكومة، مصنع جديد مخصص لإنتاج دبابة القتال الرئيسية الوطنية “ألتاي”، أول دبابة تركية الصنع بالكامل.
شهد الحفل تسليم أول نموذجين من الدبابة الجديدة إلى القوات المسلحة التركية، إيذانًا ببدء مرحلة الإنتاج التسلسلي التي طال انتظارها.

يتمتع المصنع الذي شيّدته شركة “BMC” التركية بطاقة إنتاجية تصل إلى 8 دبابات شهريًا، ويُعد جزءًا من مشروع وطني ضخم لتطوير الصناعات الدفاعية الثقيلة. وأعلن المسؤولون الأتراك أن العام 2025 سيكون نقطة التحول الحقيقية، حيث سيبدأ تسليم الدفعات الأولى رسميًا للجيش التركي ضمن خطة إنتاج أولية تشمل 250 دبابة.

قال وزير الدفاع التركي خلال الحفل:

«اليوم لا نحتفل بإنتاج دبابة فحسب، بل بإعلان استقلالنا الصناعي والعسكري. ألتاي هي نتاج إصرارنا على أن نصنع قوتنا بأيدينا».

التعريف بالدبابة “ألتاي”؟

هي دبابة قتال رئيسية من الجيل الحديث صُممت لتكون العمود الفقري للقوات البرية التركية في العقود القادمة. تزن نحو 65 طنًا، ويعمل عليها طاقم من أربعة أفراد. وتتميز بمحرك ديزل بقوة 1500 حصان يمنحها سرعة تصل إلى 70 كيلومتر في الساعة ومدى عملياتي يبلغ 500 كيلومتر.

الدبالة مسلحة بمدفع رئيسي من عيار 120 ملم قادر على إطلاق ذخائر متنوعة بدقة عالية، إلى جانب رشاش محوري 7.62 ملم ومدفع رشاش ثقيل 12.7 ملم يتم التحكم فيه عن بُعد.

تضم الدبابة نظام الحماية النشطة “AKKOR” لاعتراض المقذوفات، ودروعًا مركّبة من تصميم شركة “روكيتسان”، ومنظومة تحذير من الليزر، وأنظمة دفاع ضد التهديدات الكيميائية والبيولوجية.

أما أنظمة القيادة والتحكم بالنيران، فهي من إنتاج شركة “أسيلسان”، وتعتمد على تقنيات الرؤية الحرارية والليزرية لتأمين دقة إصابة عالية حتى أثناء الحركة، ما يجعل الدبابة “ألتاي” منافسًا حقيقيًا لدبابات مثل “أبرامز” الأمريكية و “ليوبارد 2” الألمانية.

بداية المشروع وسر التسمية

الدبابة القتالية الرئيسية ألتاي من إنتاج شركة أوتوكار في معرض IDEF 2019 في إسطنبول، تركيا. تاريخ 2 مايو 2019، 10:33:20 مصدر العمل ويكيميديا ؛ المصور CeeGee
الدبابة القتالية الرئيسية ألتاي من إنتاج شركة أوتوكار في معرض IDEF 2019 في إسطنبول، تركيا. تاريخ 2 مايو 2019، 10:33:20 مصدر العمل ويكيميديا ؛ المصور CeeGee

تعود جذور المشروع إلى مطلع الألفية الجديدة، حين أدركت تركيا أن اعتمادها على دبابات “M60″ الأمريكية و “ليوبارد 1” الألمانية لم يعد كافيًا لتلبية احتياجاتها الدفاعية المتزايدة. ومع توسع مهام الجيش التركي في الداخل والخارج، برزت الحاجة إلى دبابة وطنية حديثة قادرة على تلبية المعايير القتالية المستقبلية دون قيود.

وفي عام 2005، أطلقت هيئة الصناعات الدفاعية التركية مشروعًا استراتيجيًا لتطوير أول دبابة محلية بالكامل. وأسندت مهمة التصميم إلى شركة “Otokar” التركية، التي أطلقت عليها اسم “ألتاي” تيمّنًا بالجنرال التركي فخر الدين ألتاي، أحد قادة حرب الاستقلال التركية.

ولأن تركيا لم تكن تملك حينها خبرة كافية في بناء دبابة متقدمة من الصفر، لجأت إلى كوريا الجنوبية التي كانت قد أنهت مشروع دبابة “K2 Black Panther”. ووقّعت معها اتفاقية شراكة لنقل التكنولوجيا في مجالات التصميم وأنظمة الحركة والدروع.

فيما انضمت باقي الشركات التركية الرائدة إلى المشروع لاحقًا. كشركة “أسيلسان” التي تولت تطوير أنظمة الاتصال والرؤية والتحكم بالنيران. وشركة “روكيتسان” التي تولت تطوير الدروع المركّبة. وشركة “هافيلسان” التي تولت تصميم أنظمة التدريب والمحاكاة.

وفي عام 2012، تم الكشف عن أول نموذج من دبابة «ألتاي» في عرض احتفالي كبير بمدينة إسطنبول، وسط احتفاء رسمي وشعبي واسع باعتبارها أول ثمرة حقيقية لمشروع الاستقلال الصناعي العسكري التركي.

أزمة المحرك.. والتغلب على العقبة الأصعب

محرك "BATU" التركي الذي طوّرته شركة BMC Power التركية ؛ المصدر: رئاسة الصناعات الدفاعية التركية (SSB)
محرك “BATU” التركي الذي طوّرته شركة BMC Power التركية ؛ المصدر: رئاسة الصناعات الدفاعية التركية (SSB)

رغم النجاح التقني في النماذج الأولية، واجه المشروع تحديًا خطيرًا. فقد كانت تركيا تعتمد على محركات ألمانية من شركة “MTU” وناقلات حركة من شركة “RENK”، لكن العلاقات السياسية المتوترة مع برلين بعد عام 2016 دفعت ألمانيا إلى تجميد تصدير المكوّنات الدفاعية، مما أوقف المشروع لعدة سنوات.

ورغم الصدمة، رفضت أنقرة التراجع أو التخلي عن المشروع. وفي عام 2020، تدخلت كوريا الجنوبية مجددًا لتقديم المساعدة عبر شركتَي “Doosan Infracore” و “S&T Dynamics” لتزويد المشروع بمحركات الدبابة “K2” بشكا مؤقت. وفي الوقت ذاته، أطلقت شركة “BMC” التركية برنامجًا لتطوير محرك محلي بالكامل أُطلق عليه اسم “باتو” (BATU) بقدرة 1500 حصان، ليكون فيما بعد هو المحرك الأساسي في النسخ المستقبلية.

وبعد سنوات من الاختبارات والتطوير، بحلول عام 2023، سلّمت شركة “BMC” أول نموذجين من الدبابة “ألتاي” الجديدة إلى الجيش التركي لإجراء التجارب الميدانية. وأظهرت النتائج أداءً ممتازًا في السرعة، والدقة، وأنظمة الحماية، ما مهّد الطريق لقرار بدء الإنتاج التسلسلي في 2025.

التكلفة والاستثمار في الاستقلال والبعد السياسي والاقتصادي

بلغت تكلفة المرحلة الأولى لإنتاج 250 دبابة نحو 3.5 مليار دولار أمريكي، أي حوالي 14 مليون دولار للدبابة الواحدة. ومع استمرار المشروع وتوسع خطوط الإنتاج والتطوير المحلي، يُتوقع أن تتجاوز التكلفة الإجمالية للمشروع بالكامل 40 مليار دولار خلال العقدين المقبلين. لكن المسؤولين الأتراك يرون أن هذه الأرقام ليست “تكاليف”، بل استثمار في الاستقلال الوطني، ورسالة بأن تركيا لم تعد تنتظر التكنولوجيا من الغرب بل تصنعها بنفسها.

المشروع يحمل رمزية سياسية واضحة؛ فهو إعلان صريح عن استقلال القرار الدفاعي التركي، بعد أن كانت البلاد لعقود تعتمد على الموردين الغربيين في أهم أنظمتها التسليحية. ويمثل ركيزة في سياسة أنقرة الجديدة القائمة على تحويل الصناعات الدفاعية إلى أداة نفوذ خارجي، من خلال تصدير التكنولوجيا إلى الدول الحليفة مثل قطر وأذربيجان وباكستان، التي أبدت اهتمامًا بالحصول على نسخ من الدبابة.

أما اقتصاديًا، فقد شاركت أكثر من 100 شركة تركية في سلسلة الإنتاج، ما أسهم في خلق آلاف الوظائف ونقل التكنولوجيا المتقدمة إلى المصانع المحلية. كما يتوقع أن تصبح الدبابة “ألتاي” منتجًا تصديريًا إستراتيجيًا ضمن خطة الحكومة لرفع صادرات الصناعات الدفاعية إلى أكثر من 10 مليارات دولار سنويًا بحلول 2030.

الخلاصة

من فكرة وُلدت في مكاتب هيئة الصناعات الدفاعية قبل عشرين عامًا، إلى مصنع ضخم يسلّم اليوم أولى الدبابات للجيش التركي — تمثل الدبابة “ألتاي” قصة إرادة وطنية بامتياز. أثبتت بها تركيا أن الطموح المدروس، والاعتماد على الذات، والشراكة الذكية يمكن أن تثمر مشروعًا يقف على قدم المساواة مع أقوى دبابات العالم.

كما أنها ليست مجرد دبابة فحسب؛ إنها عنوان لفصل جديد من الاستقلال التركي، حيث تصنع أنقرة أدوات قوتها بيديها، وتضع نفسها بين الدول القليلة التي تمتلك القدرة على بناء دبابة قتال رئيسية من الصفر.

المصادر

  1. ويكيبيديا ؛ “Altay (tank)”
  2. موقع GlobalSecurity ؛ “Altay National Main Battle Tank of Turkey”
  3. موقع TurkishMinute ؛ “Turkey begins mass production of long-delayed Altay battle tank”
  4. صحيفة DailySabah ؛ “Glimpse into mass production of Türkiye’s homegrown main battle tank”
  5. موقع DefenseNews ؛ “Turkey wants eight Altay battle tanks yearly from new BMC factory”
  6. موقع The Defense Post ؛ “Turkey Rolls Out First Locally Made Altay Tanks”
  7. موقع Defense Security Asia ؛ “Turkey to Begin Receiving Altay Main Battle Tanks by Late 2025”
  8. موقع SteelRadar ؛ “BMC begins mass production of ALTAY tank”
  9. موقع DefenseHere ؛ “Erdoğan opens Altay production plant as first tanks enter Turkish service”
  10. صحيفة DailySabah ؛ “Turkish armed forces get first homegrown main battle tanks”
  11. موقع BulgarianMilitary ؛ “Altay tank enters production on Jan 9, Turkey orders the first 100”
  12. موقع BulgarianMilitary ؛ “Heavy and expensive: why the Turkish Altay tank did not fit Pakistan?”
  13. موقع DefenseHub.live ؛ “Altay | DefenceHub”
  14. موقع Defence Database ؛ “Altay MBT [REVIEW + SPECS]”
  15. صحيفة DailySabah ؛ “Qatar signs deal to purchase Turkey’s domestic Altay battle tanks”
  16. موقع NordicMonitor ؛ “Erdogan ally admits indigenous tank production delayed by lack of engine and wrong location”

كيف يعمل صاروخ Burevestnik الروسي الجديد ذو المدى غير المحدود

أعلنت روسيا مؤخرًا عن نجاح اختبار صاروخ جديد يعمل بالطاقة النووية يسميى “بوريفيستنيك (Burevestnik)”، وقد أثار هذا الإعلان ضجة كبيرة في وسائل الإعلام، وترافق مع تصريحات رسمية لافتة. فقد قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الصاروخ يمتلك مدى غير محدود تقريبًا، وإنه طار لمدة 15 ساعة وقطع أكثر من 14 ألف كيلومتر.

هذا الخبر أثار اهتمامًا واسعًا ومخاوف متعددة، سواء من الناحية العسكرية أو البيئية، خصوصًا وأن التفاصيل الفنية الدقيقة لم تُكشف بعد، ولا تزال البيانات المستقلة غائبة لتأكيد ما تم الإعلان عنه.

ما الفائدة الاستراتيجية من مدى ومدة طيران طويلة؟

وجود صاروخ يستطيع الطيران لمسافات طويلة ولساعات عديدة يمنح القيادة العسكرية مرونة كبيرة في التخطيط للهجوم. حيث يمكن إطلاقه في وقت مبكر من العملية، ثم تغيير اتجاهه أو تأخير اقترابه من الهدف حتى اللحظة المناسبة. وهذه القدرة تجعل اعتراضه أكثر صعوبة، لأن الصاروخ قد يطير على ارتفاعات منخفضة أو يسلك مسارات غير متوقعة، مما يربك أنظمة الإنذار والدفاع الصاروخي.

كما أن مجرد الإعلان عن صاروخ بهذه القدرات يحمل رسالة سياسية ونفسية قوية، فهو يهدف إلى تعزيز الردع وإظهار تفوق الدولة تقنيًا واستراتيجيًا. لكنّ هذه المزايا النظرية لا تكتمل إلا إذا كان الصاروخ موثوق الأداء من حيث المحرك النووي وأنظمة التوجيه والتحكم بالانبعاثات الإشعاعية.

فكرة عمل المحرك النووي النفاث

لفهم الفكرة، علينا العودة إلى المبدأ الأساسي للمفاعلات النووية. فعادةً، ينتج المفاعل النووي حرارة نتيجة انشطار الذرات، وتُستخدم هذه الحرارة لتسخين الماء وتحويله إلى بخار يدير التوربينات — كما يحدث في المفاعلات التي تشغل السفن والغواصات النووية. أما في الصاروخ النووي النفاث فالأمر مختلف تمامًا: حيث لا يوجد ماء، بل يتم استخدام الهواء الخارجي نفسه. والهواء يمر عبر قلب المفاعل النووي الساخن فيسخن بسرعة كبيرة، فيتمدد ويخرج بقوة من فوهة العادم، مولدًا دفعًا هائلًا يجعل الصاروخ يطير بسرعة كبيرة ولفترات طويلة جدًا.

لكن هذه الفكرة تأتي بثمن بيئي خطير، لأن الهواء الذي يمر داخل المفاعل يخرج ملوثًا إشعاعيًا مباشرة في الغلاف الجوي. وتبرز هنا المعضلة التقنية الكبرى ففي الغواصات والسفن، هناك طاقم يمكنه مراقبة المفاعل وضبط أدائه يدويًا، لكن في الصاروخ لا يوجد أحد. والتحكم يتم بالكامل عبر أنظمة إلكترونية، وأي خلل فيها يمكن أن يؤدي إلى فشل التبريد وارتفاع حرارة المفاعل إلى حد الانصهار، مما قد يؤدي إلى انفجار أو كارثة إشعاعية.

لذلك اذا حاولت روسيا تطوير صاروخ من هذا القبيل فعليها تطوير نظام أكثر أمانًا يعتمد على تسخين الهواء بطريقة غير مباشرة ، أي عبر مبادل حراري ينقل الحرارة من قلب المفاعل دون أن يمر الهواء داخله. وتطوير سبائك جديدة مقاومة لدرجات الحرارة العالية، وتحسين أنظمة التبريد والتحكم الذاتي لتقليل خطر الانصهار أو التسرب الإشعاعي.

محاولات سابقة لتطوير محركات طيران نووية

الصاروخ الروسي ليس وحدة، ففي منتصف القرن العشرين، شهد العالم موجة من المشاريع الطموحة التي سعت إلى استغلال الطاقة النووية في الطيران والفضاء. كانت الفكرة آنذاك أن المفاعل النووي يمكن أن يمنح الطائرات والصواريخ مدى لا محدود تقريبًا. وأحد أشهر هذه المشاريع كان المشروع الأمريكي “Project Pluto” في أواخر الخمسينيات، والذي هدف إلى تطوير صاروخ أسرع من الصوت يعمل بمحرك رامجت نووي. وبالفعل تم بناء وتشغيل مفاعلات تجريبية على الأرض، مثل “Tory-IIA” و “Tory-IIC”، وأثبتت نجاحًا من حيث الفكرة. لكن المشروع واجه معارضة شديدة بسبب خطر العادم المشع، إذ إن الصاروخ كان سيطير فوق القارات مطلقًا إشعاعات في الجو، ما جعله تهديدًا بيئيًا وسياسيًا كبيرًا. وفي النهاية، أُوقف المشروع عام 1964 قبل أن يجري أي اختبار طيران فعلي.

محرك "Tory-IIC" الأمريكي العامل بالوقود النووي ؛ ويكيبيديا
محرك “Tory-IIC” الأمريكي العامل بالوقود النووي ؛ ويكيبيديا

وفي الوقت نفسه، عملت الولايات المتحدة على مشروع آخر هو “Aircraft Nuclear Propulsion” بالتعاون بين شركتي “Convair” و “General Electric” لتطوير طائرات نووية. وتم بالفعل بناء مفاعلات صغيرة وتجريبها على الأرض، بل وتعديل طائرة حقيقية كطائرة “Convair NB-36H” لحمل محركات تعمل بمفاعل تجريبي بقوة 1 ميغاواط لاختبار التدريع اللازم للطاقم. بغرض دراسة أنظمة الحماية من الإشعاع. لكن النتيجة كانت واضحة: فالمفاعل يحتاج إلى درع واقٍ ضخم وثقيل جدًا لحماية الطاقم من الاشعاع، بلغ وزن التدريع، المصنوع من الرصاص والمطاط حول قمرة القيادة، أكثر من 11 طن، وكانت النوافذ مغطاة بزجاج رصاصي بسمك 10 إلى 12 بوصة، ما جعل الطائرة غير عملية إطلاقًا.

أما في مجال الفضاء، فقد حققت برامج مثل “Rover” و “NERVA” تقدمًا أكبر، حيث تمكن العلماء من تشغيل محركات نووية حرارية فعليًا على الأرض، أظهرت كفاءة عالية وقدرة على توليد دفع مستمر يفوق المحركات الكيميائية التقليدية. ورغم هذه النجاحات، توقفت المشاريع في أوائل السبعينيات بسبب خفض ميزانية وكالة ناسا بعد برنامج أبولو، إلى جانب المخاوف من إطلاق مفاعلات نووية في الفضاء واحتمال سقوطها على الأرض في حال فشل الإطلاق.

مع مرور الوقت، تبين أن الطاقة النووية أكثر ملاءمة للبحر منها للجو. ففي السفن والغواصات يمكن بناء درع إشعاعي قوي وآمن داخل هيكل معدني كبير وتحت رقابة بشرية مباشرة. أما في الطائرات أو الصواريخ، فإن الوزن الكبير والتعقيد التقني وخطر التسرب الإشعاعي ما زالت تحديات ضخمة. لهذا بقيت معظم التطبيقات النووية العملية في المجال البحري فقط، بينما بقيت الفكرة في الطيران والفضاء ضمن حدود الأبحاث والتجارب المخبرية المحدودة.

خلاصة

إعلان روسيا عن اختبار صاروخ نووي جديد يفتح نقاشًا كبيرًا حول مستقبل الدفع النووي. الفكرة بلا شك مغرية من الناحية الاستراتيجية، لأنها تعد بقدرات هائلة على الردع والسيطرة الجوية، لكنها في الوقت نفسه تصطدم بعقبات تقنية وبيئية معقدة. التاريخ يُظهر أن الحرارة العالية والإشعاع والحاجة إلى حماية قوية كانت الأسباب الرئيسية لتوقف أغلب المشاريع السابقة. وإذا تمكنت روسيا فعلًا من حل هذه المشكلات، فسيكون ذلك إنجازًا تقنيًا ودبلوماسيًا ضخمًا، لكنه يحتاج إلى أدلة واضحة وبيانات مستقلة حول مدى نجاح الاختبار وسلامته البيئية. إلى أن تُنشر هذه البيانات، سيبقى الصاروخ النووي بين الخيال الهندسي والواقع العسكري، وبين الطموح الكبير والمخاطر الهائلة التي ترافقه.

المصادر

  1. موقع رويترز ؛ “Russia tested new nuclear-powered Burevestnik cruise missile” ؛ الرابط  https://www.reuters.com/world/china/russia-tested-new-nuclear-powered-cruise-missile-top-general-says-2025-10-26/
  2. الجارديان ؛ “Trump describes Russia’s new cruise missile test as ‘not appropriate'” ؛ الرابط https://www.theguardian.com/world/2025/oct/27/russia-cruise-missile-test-trump-putin
  3. موقع Asia Times ؛ “Russia’s Burevestnik shatters US homeland invulnerability” ؛ الرابط https://asiatimes.com/2025/10/russias-burevestnik-shatters-us-homeland-invulnerability-myth/
  4. موقع Asia Times ؛ “Russia’s ‘Flying Chernobyl’ missile heralds new nuke arms race” ؛ الرابط  https://asiatimes.com/2023/10/russias-flying-chernobyl-missile-heralds-new-nuke-arms-race/
  5. ويكيبيديا ؛ “Project Pluto — US nuclear ramjet project, 1957–1964 (Tory-IIA / Tory-IIC) ؛ الرابط https://en.wikipedia.org/wiki/Project_Pluto
  6. موقع War History ؛ “LTV SLAM – Project PLUTO” ؛ الرابط https://warhistory.org/%40msw/article/ltv-slam-project-pluto
  7. ويكيبيديا ؛ “Convair NB-36H — experimental aircraft that carried a reactor (Aircraft Nuclear Propulsion)” ؛ الرابط https://en.wikipedia.org/wiki/Convair_NB-36H
  8. Smithsonian Air & Space Quarterly ؛ “The World Wasn’t Ready for Nuclear-Powered Bombers ؛ الرابط https://airandspace.si.edu/air-and-space-quarterly/issue-14/nuclear-bomber
  9. وثيقة NASA / NTRS ؛ “An Historical Perspective of the NERVA Nuclear Rocket” ؛ الرابط https://ntrs.nasa.gov/api/citations/19910017902/downloads/19910017902.pdf
  10. موقع New York Post ؛ “Russia tested Poseidon nuclear torpedo / links to Burevestnik coverage ؛ الرابط https://nypost.com/2025/10/29/world-news/putin-announces-russia-tested-poseidon-nuclear-torpedo-which-can-destroy-cities-with-radioactive-tsunamis/

إفتتاح المتحف المصري الكبير وأول جيش منظم في التاريخ

منذ فجر التاريخ، كانت مصر مهدَ الدولة والنظام والسلطة المركزية. ومع توحيد القطرين على يد الملك “نارمر” نحو عام 3100 قبل الميلاد، لم تولد فقط أول دولة موحدة في التاريخ، بل ولد معها أول جيش وطني منظم عرفته البشرية. لم يكن الجيش المصري مجرد قوة تسليحية، بل مؤسسة متكاملة تمثل مزيجًا من الانضباط والإيمان والعقل الهندسي والإدارة الدقيقة، فسبق بمفاهيمه وتنظيمه كل الجيوش اللاحقة في الشرق والغرب.

أول جيش نظامي في التاريخ

نموذج الجيش المصري خلال عصر الدولة الوسطى. مقبرة مسخي (CG258)، أسيوط. الأسرة الحادية عشرة. المتحف المصري. صورة alexey.berezin.
نموذج الجيش المصري خلال عصر الدولة الوسطى. مقبرة مسخي (CG258)، أسيوط. الأسرة الحادية عشرة. المتحف المصري. صورة alexey.berezin.

تكوّن الجيش المصري في بداياته من كتائب إقليمية حملت أسماء الآلهة والمدن الكبرى، ولكل كتيبة راية وشعار وألوان مميزة. وكان لكل وحدة قائد يحمل لقب “قائد العشرة” أو “قائد المئة” في اشارة إلى العدد الذي يقودهم، تحت إشراف “المشرف على الجيش”، وهي تسميات تمثل أولى نُظم الرتب العسكرية المعروفة.

وقد تميّز الجيش بالنظام الصارم والتدريب المنتظم؛ إذ أقيمت معسكرات تدريب دائمة قرب المدن الكبرى لتعليم الجنود فنون الرماية والسباحة والمناورة بالعربات الحربية وتنفيذ الأوامر بدقة تامة. وكانت الكفاءة والشجاعة أساسًا للترقية لا النسب أو الثراء، وهو مبدأ متقدّم للغاية بالنسبة لعصره.

ولم تكن العقيدة القتالية المصرية قائمة على العدوان، بل على فكرة “ماعت”، أي النظام والحق والعدالة الكونية. كان المصري يقاتل دفاعًا عن الوطن وحمايةً لتوازن الكون كما تصوّره فلسفته الدينية. لذا ارتبطت الروح المعنوية بالمعتقد؛ فالجندي يؤمن بأن الآلهة تبارك سلاحه، وأن الملك – بصفته ممثل الإله رع – يقود المعركة نيابة عن قوى السماء. وقد أدّى هذا الإيمان إلى تماسك الجيش وارتفاع معنوياته، حتى أصبحت الحرب لديه رسالة مقدسة لا مغامرة.

الأسلحة المعدنية الأولى وعبقرية الصناعة

صفححة من كتاب "Ancient Egypt: The Definitive Visual History" يوضح الأسلحة المصرية القديمة
صفححة من كتاب “Ancient Egypt: The Definitive Visual History” يوضح الأسلحة المصرية القديمة

لم تعرف الإنسانية صناعة السلاح بمعناها الكامل قبل المصريين القدماء. فقد كانوا أول من استخدم النحاس ثم البرونز في تسليح الجيوش على نطاق واسع، وأقاموا ورشًا ثابتة لصنع الأسلحة تحت إشراف القصر الملكي والمعابد. ومن أبرز ما أنتجته تلك الورش من أسلحة:

  1. الخنجر (Dagger): سلاح قصير ذو نصل مزدوج، استخدم في القتال القريب، وكان يُعد رمزًا للمكانة الرفيعة. ومن أروع نماذجه خنجر الملك توت عنخ آمون المصنوع من حديد نيزكي.
  2. الفأس الحربية (Battle Axe): ظهرت منذ الدولة القديمة بأشكال متعددة، ثم تطورت لتصبح ذات نصل عريض لزيادة الفاعلية ضد الدروع.
  3. الرمح (Spear): عماد الجيوش المصرية في القتال الميداني، بطولٍ يتجاوز المترين ورأس معدني حادّ مصقول.
  4. القوس المركب (Composite Bow): ابتكار عبقري يتألف من طبقات من الخشب والقرن والوتر، يوفّر مدىً أكبر ودقة عالية.
  5. السيف المنحني “خُبيش” (Khopesh): سيف فريد على هيئة منجل حادّ، يجمع بين القطع والضرب، وكان رمز القوة والسلطة في يد الملوك.
  6. الدرع (Shield): صُنعت من الخشب المغطى بالجلد أو البرونز، بخفة تسمح بالمناورة وسرعة الحركة.

بهذه الأدوات وضع المصريون الأساس الأول لفكرة الصناعة العسكرية النظامية، وربطوا بين المهارة الحرفية والابتكار التقني في خدمة الدولة.

العربات الحربية من التأثر إلى الإبداع

نسخة طبق الأصل من إحدى العربات الحربية التي عُثر عليها في مقبرة توت عنخ آمون، معروضة في معرض "توت عنخ آمون" ؛ الصورة: روبرت ب. بارتريدج
نسخة طبق الأصل من إحدى العربات الحربية التي عُثر عليها في مقبرة توت عنخ آمون، معروضة في معرض “توت عنخ آمون” ؛ الصورة: روبرت ب. بارتريدج

عرف المصريون العربات الحربية أثناء فترة الهكسوس، لكنها كانت في بدايتها ثقيلة وبطيئة. وما إن استعاد المصريون استقلالهم حتى طوروا هذا السلاح لدرجة الإتقان، فاستبدلوا الخشب الصلب بهياكل خفيفة من خشب شجر الجميز والأكاسيا، وجعلوا العجلات بستة قضبان خشبية متقنة التوزيع، وأضافوا أرضية من الجلد المشدود لامتصاص الصدمات. كما أعادوا توزيع الركاب فجعلوا السائق على اليمين والرماة على اليسار لتحقيق التوازن.

قاد الملك تحتمس الثالث عرباته بنفسه في معركة مجدو الشهيرة، حيث نفّذ مناورة التفاف جريئة بجيشه عبر ممر ضيق وفاجأ العدو الكنعاني وأمّن لجيشه النصر. منذ ذلك الحين أصبحت العربة المصرية سلاحًا استراتيجيًا سريع الحركة، وأداةً لإظهار الهيبة الملكية في السلم والحرب. ومن خلال تطويرها، قدّم المصريون أول مثال لوحدة قتالية سريعة تعادل مفهوم “القوات الميكانيكية” الحديثة.

الفكر الاستراتيجي والاستخبارات والاتصال العسكري

لم يكن الجيش المصري يعتمد على الشجاعة فقط، بل على التخطيط العلمي الدقيق. فقد عرف المصريون مفهوم الاستراتيجية العسكرية منذ الدولة الحديثة، وأول من طبّقه بوضوح كان الملك تحتمس الثالث، الذي وثّق حملاته على جدران معبد الكرنك بتفاصيل دقيقة تشمل خط السير، توزيع الكتائب، الإمداد، والنتائج، وهو ما يمكن اعتباره أقدم سجلّ عسكري شامل في التاريخ.

كما برعوا في الاستخبارات وجمع المعلومات. استخدموا الكشّافين لاستطلاع مواقع العدو قبل الزحف، وأرسلوا الرسل والحمام الزاجل لنقل الأوامر، واستخدموا إشارات النار والدخان للتواصل بين الحصون البعيدة، في نظام اتصالات هو الأول من نوعه في العالم.

هذا الدمج بين المعلومات المسبقة والتخطيط والتوثيق جعل الجيش المصري أكثر تنظيمًا وفاعلية من جيوش معاصريه.

التحصينات والهندسة العسكرية

قلاع الشلال الثاني – مجلة ريترو سبكت
قلاع الشلال الثاني – مجلة ريترو سبكت

امتدت عبقرية المصريين إلى فنون التحصين والهندسة العسكرية، فأنشأوا سلاسل من القلاع والحصون على حدود الدولة، لحماية الطرق التجارية وتأمين الممرات الاستراتيجية.

من أشهرها حصن بوهين في النوبة، الذي تميّز بأسوار مزدوجة وخندق مائي وأبراج مراقبة عالية، وحصن سمنة الذي كان مركزًا لرقابة الحدود، إضافة إلى حصون تل حبوة وقلعة ثارو في شمال سيناء التي شكلت خط الدفاع الأول عن دلتا النيل.

امتازت هذه التحصينات بتخطيط عبقري: جدران مائلة لتقليل أثر المقذوفات، وبوابات متعرجة لإبطاء المهاجمين، وغرف للأسلحة والمؤن داخل الأسوار. كما استخدم المصريون المياه كعنصر دفاعي، فكانوا يغمرون الأراضي المحيطة بالحصون بالمياه في حالات الخطر، في فكرة تسبق “التحصين المائي” الحديث.

أما في الهجوم، فقد أقاموا منحدرات ترابية ضخمة لاقتحام المدن المحصنة، كما حدث في معركة قادش، وهي تقنية لم يعرفها الغرب إلا بعد آلاف السنين.

الأسطول المصري سادة النيل والبحرين

نموذج لأسطول السفن الحربية لرمسيس الثالث ؛ ويكيبيديا
نموذج لأسطول السفن الحربية لرمسيس الثالث ؛ ويكيبيديا

لم يكن تفوق المصريين قاصرًا على البر، فقد أنشأوا أول أسطول حربي منظم في التاريخ، بدءًا من الدولة القديمة حين استُخدم النيل لنقل الجيوش والمؤن، وصولًا إلى الدولة الحديثة حيث بلغت السفن ذروة تطورها.
بُنيت السفن من أخشاب الأرز المستورد من فينيقيا، وزُوّدت بمجاذيف طويلة وأشرعة مزدوجة وغرف تخزين داخلية. كانت بعض السفن الحربية بطول يتجاوز الأربعين مترًا، وتضم برجًا أماميًا للرماة لزيادة مدى القتال.

قاد تحتمس الثالث حملات بحرية ناجحة ضد المدن الكنعانية، فأسس بذلك تقاليد الحرب البحرية، كما أرسل بعثات عبر البحر الأحمر إلى بلاد بونت لجلب البخور والأخشاب الثمينة، في عمليات نقل استراتيجية تُعد أولى صور الجيوش البرمائية.

لقد كان الأسطول المصري بحق أول قوة بحرية استراتيجية في التاريخ، تحمي التجارة وتؤمن الحدود المائية، وتُسهم في نشر النفوذ المصري عبر السواحل الآسيوية والإفريقية.

الإرث الخالد

واليوم، مع افتتاح المتحف المصري الكبير في الأول من نوفمبر عام 2025، تعود هذه الصفحات المشرقة لتُعرض أمام العالم في أبهى صورها. فالعربات الحربية لرمسيس الثاني، والدروع الجلدية البرونزية، وخناجر “الخُبيش”، ونماذج الأسطول والحصون، كلّها شواهد حية على أن المصريين القدماء لم يكونوا مجرد بناة أهرام، بل بناة فكرٍ عسكريٍّ متكامل.

لقد وضعوا الأسس الأولى لفنون الحرب، من التنظيم والانضباط إلى التخطيط والاستخبارات، ومن صناعة السلاح إلى الهندسة والتحصين، ومن البر إلى البحر. ومن هنا يحق لنا أن نقول إن مصر لم تتعلّم الحرب من العالم، بل العالم هو من تعلّم الحرب من مصر.

المصادر

  1. مجلة Smithsonian Magazine ؛ “These Ancient Egyptian Barracks Paint a Vivid Picture of Military Life During the Reign of Ramses II” ؛ [https://www.smithsonianmag.com/smart-news/these-ancient-egyptian-barracks-paint-a-vivid-picture-of-military-life-during-the-reign-of-ramses-ii-180985082]
  2. مجلة Smithsonian ؛ “An Ancient Egyptian Arms Race” ؛ [https://www.si.edu/object/ancient-egyptian-arms-race%3Ayt_3aXbdah-YlY]
  3. موقع Hindawi موسوعة مصر القديمة ؛ “الجيش والحروب – في مدنية مصر القديمة (الجزء الثاني)” ؛ [https://www.hindawi.org/books/30626940/14/]
  4. موسوعة Wikipedia ؛ “Battle of Megiddo (15th century BC) — مع معلومات حول أول استخدام للقوس المركب وتوثيق المعركة” ؛ [https://en.wikipedia.org/wiki/Battle_of_Megiddo_%2815th_century_BC%29]
  5. موسوعة Wikipedia ؛ “Khopesh (السيف المصري المنحني) — معلومات فنية وتاريخية عنه” ؛ [https://en.wikipedia.org/wiki/Khopesh]
  6. بوابة الأهرام ؛ “كتاب الجيش فى مصر القديمة.. إهداء إلى روح الغيطاني” ؛ [https://gate.ahram.org.eg/daily/News/131801/135/472578.aspx]
  7. كتاب أحمد قدري ؛ “المؤسسة العسكرية المصرية في عصر الإمبراطورية” ؛ [https://www.noor-book.com/كتاب-المؤسسة-العسكرية-المصرية-في-عصر-الإمبراطورية-pdf]
  8. كتاب عبد الرحمن زكي ؛ “الجيش في مصر القديمة – عبد الرحمن زكي” ؛ [https://www.asargy.com/2019/02/pdf_360.html]

تركيا تعيد تشكيل ميزان القوة الجوية في أوروبا بعد صفقة مقاتلات تايفون مع بريطانيا

شهدت العلاقات الدفاعية بين تركيا والمملكة المتحدة منعطفًا استراتيجيًا مهمًا في نهاية أكتوبر 2025، حين تم توقيع اتفاق ضخم بقيمة ثمانية مليارات جنيه إسترليني (نحو 10.7 مليارات دولار) لتوريد عشرين مقاتلة متعددة المهام من طراز “Typhoon Tranche 4” إلى سلاح الجو التركي، مع حزمة دعم وتكامل تسليحي وتدريب متكاملة تمتد لسنوات.

وتعد هذه الصفقة الأكبر في تاريخ الصادرات الدفاعية البريطانية خلال العقدين الماضيين، كما تمثل أول عملية بيع رئيسية لمقاتلات “Typhoon” منذ عام 2017، وهو ما يمنحها بعدًا سياسيًا واقتصاديًا وصناعيًا يتجاوز الطابع العسكري البحت.

البحث عن بدائل بعد استبعادها من برنامج F-35

تأتي هذه الخطوة بعد أعوام من التوتر بين أنقرة وواشنطن، إذ أُقصيت تركيا عام 2019 من برنامج المقاتلة الأمريكية “F-35” بسبب شرائها منظومة الدفاع الروسية S-400. ومنذ ذلك الحين، تسعى تركيا إلى تنويع مصادر تسليحها وتخفيف اعتمادها على الولايات المتحدة عبر البحث عن بدائل أوروبية أو محلية وهو.

وبالنظر إلى أن مقاتلة الجيل الخامس التركية الوطنية KAAN لا تزال في مراحل التطوير، فقد كان لا بد من إيجاد حل مؤقت يسد الفجوة في القدرات الجوية خلال السنوات المقبلة، فكانت مقاتلة “Typhoon” خيارًا مثاليًا من حيث الجاهزية والقدرة والتوافق مع منظومات حلف الناتو.

الموقف من برنامج F-35 وصفقة F-16

على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة، تواصل تركيا منذ عام 2022 مفاوضاتها مع واشنطن بشأن صفقة تحديث وشراء طائرات “F-16 Block 70” ، التي تشمل 40 مقاتلة جديدة وأكثر من 70 مجموعة تحديث لأسطولها الحالي.
ورغم أن إدارة الرئيس الأمريكي وافقت مبدئيًا على المضي قدمًا في الصفقة عقب مصادقة البرلمان التركي على انضمام السويد إلى الناتو، فإن تنفيذها العملي لا يزال بطيئًا بفعل اعتراضات متكررة من الكونغرس الأمريكي، الذي يربط التسليم بمسائل سياسية تتعلق بسلوك أنقرة الإقليمي وحقوق الإنسان. ومع ذلك، تحافظ تركيا على خيار “F-16” كمسار موازٍ لتعزيز جاهزية قواتها الجوية على المدى القصير، دون اعتباره بديلًا عن تطوير برنامجها الوطني أو شراكاتها الأوروبية الجديدة.

أما في ما يخص برنامج “F-35″، فلا تزال تركيا تتعامل معه كملف مغلق سياسيًا رغم محاولات دبلوماسية متكررة لإعادة إدماجها فيه. فأنقرة ترى أن استبعادها كان قرارًا سياسيًا أكثر منه فنيًا، وأنها دفعت ثمنًا اقتصاديًا جسيمًا بعد إقصائها من خطوط الإنتاج التي كانت تشارك فيها بما قيمته أكثر من تسعمائة مليون دولار. ومع استبعاد فرص العودة القريبة إلى البرنامج، تركز تركيا حاليًا على مشروع “KAAN” المحلي، وتعتبر صفقة “Typhoon” جسرًا استراتيجيًا يوفر لها مظلة قتالية متقدمة خلال فترة الانتقال نحو الاستقلال الصناعي الكامل في مجال الطيران العسكري.

المكاسب البريطانية والتحفظ الألماني ودوافعه السياسية

بالنسبة للمملكة المتحدة، تشكل الصفقة إنقاذًا حقيقيًا لخط إنتاج “Typhoon” وضمانًا لمستقبل عشرات الآلاف من العاملين في قطاع الصناعات الدفاعية. إذ تضمن الاتفاق توفير نحو عشرين ألف وظيفة في منشأت بريطانية مختلفة، مع حصة بريطانية تبلغ سبعة وثلاثين في المئة من مكونات الطائرة. كما تمنح هذه الصفقة لندن فرصة لتأكيد مكانتها كقوة صناعية وأمنية أوروبية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وتُبرز دورها كوسيط دفاعي مرن قادر على إبرام شراكات ثنائية خارج البنية البيروقراطية الأوروبية.

ورغم أن “Typhoon” مشروع مشترك بين أربع دول أوروبية هي بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، فإن المفاوضات بشأن الصفقة التركية واجهت عقبات كبيرة بسبب التحفظ الألماني. فقد كانت برلين مترددة في منح الموافقة المطلوبة على تصدير المكونات المشتركة بسبب مخاوف سياسية وأخلاقية تتعلق بدور تركيا في النزاعات الإقليمية في سوريا والعراق، إضافة إلى التوتر في العلاقات الثنائية بين البلدين. غير أن ضغوط لندن وإيطاليا أفضت في منتصف عام 2025 إلى قرار من مجلس الأمن الفيدرالي الألماني يقضي بالسماح بإتمام الصفقة، وإن مع امتناع ألمانيا عن المشاركة المباشرة في تنفيذها أو تدريب كوادرها. كما تخشى برلين من أن يؤدي تمدد بريطانيا في تصدير المقاتلة بمفردها إلى اختلال توازن النفوذ داخل الكونسورتيوم الأوروبي، خصوصًا مع تركيز لندن على مشروع المقاتلة المستقبلية “GCAP” بالتعاون مع اليابان وإيطاليا.

الأبعاد السياسية والعسكرية داخل الناتو

تحمل الصفقة أبعادًا سياسية وعسكرية واضحة تتجاوز المصلحة الاقتصادية للطرفين، إذ تمثل عودة تدريجية لتركيا إلى دائرة الثقة الأطلسية بعد أعوام من التوتر مع الولايات المتحدة.

ومن منظور الناتو، فإن امتلاك تركيا مقاتلات حديثة من طراز تايفون يضمن استمرار قدرات الردع الجوية في جناح الحلف الجنوبي الممتد من البلقان إلى الشرق الأوسط.

كما أن الصفقة تمنح أنقرة وسيلة لتوازن القوة في شرق المتوسط، حيث تمتلك اليونان مقاتلات “رافال” فرنسية ونسخًا مطوّرة من “F-16 Viper”، في حين تحتاج تركيا إلى تحديث أسطولها القديم من مقاتلات “F-4” و “F-16” القديمة.

جدول التسليم والمفاوضات مع قطر وعُمان لتسريع التسليم

وتبلغ القيمة الإجمالية للعقد ثمانية مليارات جنيه، منها 5.4 مليارات مخصصة للطائرات نفسها وأنظمة التسليح والتكامل مع المنظومات التركية، و 2.6 مليار لدعم التدريب والصيانة طويلة الأمد. ومن المقرر أن تبدأ عمليات التسليم عام 2030، بينما يتوقع أن تدمج تركيا أسلحتها المحلية مثل صواريخ “SOM-J” و “Bozdoğan” و “Gökdoğan” ضمن تسليح المقاتلات الجديدة، بما يعزز استقلالية قرارها التشغيلي.

صاروخ "Bozdoğan" و "Gökdoğan" جو-جو ؛ معرض IDEF 2019 في إسطنبول ؛ الصورة من ويكيبيديا
صاروخ “Bozdoğan” و “Gökdoğan” جو-جو ؛ معرض IDEF 2019 في إسطنبول ؛ الصورة من ويكيبيديا

ونظرًا لتأخر التسليم حتى عام 2030، تسعى أنقرة إلى تسريع دخول الطائرة إلى الخدمة عبر شراء طائرات مستعملة من قطر وعُمان. وتشير التقارير إلى إمكانية حصول تركيا على 24 مقاتلة إضافية مناصفة بين الدولتين، وهو ما يتيح لها البدء في تدريب الطيارين والفنيين قبل وصول الطائرات الجديدة. الموقف القطري يبدو مرنًا سياسيًا بحكم العلاقة الوثيقة بين الدوحة وأنقرة، خصوصًا مع توجّه قطر إلى تقليص اعتمادها على هذا الطراز لمصلحة توسيع أسطولها من “رافال” و “F-15”. غير أن هذه الصفقة تظل بحاجة إلى موافقة بريطانية رسمية نظرًا لحقوق التصنيع والبرمجيات المرتبطة بالطائرات، ما يجعلها في النهاية اتفاقًا ثلاثي الأطراف بين قطر وتركيا والمملكة المتحدة.

تحول في سوق المقاتلات وإعادة تموضع استراتيجي في سماء أوروبا

في السياق الأوروبي الأوسع، تتزامن هذه الصفقة مع حراك جديد في سوق المقاتلات داخل القارة، إذ وقّعت البرتغال مذكرة تفاهم مع شركة “إيرباص” لبحث استبدال أسطولها من طائرات “F-16” بمقاتلات “Typhoon”، في حين أعلنت ألمانيا في أكتوبر 2025 عن شراء عشرين مقاتلة من الجيل الخامس من المعيار (Tranche 5) ضمن حزمة دفاعية جديدة. هذه التطورات تعكس عودة المقاتلة الأوروبية إلى الواجهة بعد سنوات من هيمنة الطرازات الأمريكية على السوق.

وتُظهر الصفقة في مجملها تلاقي مصالح متعددة: فتركيا تسعى إلى سد الفجوة في قدراتها الجوية وتخفيف اعتمادها على الولايات المتحدة، وبريطانيا تبحث عن إنعاش صناعاتها الدفاعية وتأكيد مكانتها في ما بعد البريكست، وأوروبا ترى فيها خطوة لتعزيز الجناح الجنوبي لحلف الناتو. كما أنها تمثل جسرًا مؤقتًا بين الحاضر والمستقبل بالنسبة لأنقرة، إذ تمنحها قدرة جوية متطورة حتى دخول مقاتلتها الوطنية «كاان» الخدمة التشغيلية في أواخر العقد الحالي.

وفي النهاية، لا تُختزل صفقة “Typhoon” بين تركيا والمملكة المتحدة في كونها اتفاق تسليح فقط، بل هي إعادة تموضع استراتيجي يعيد رسم خريطة التعاون الصناعي والعسكري في أوروبا، ويؤكد أن توازنات القوة الجوية في القارة مقبلة على مرحلة جديدة من التعددية والتحول.

المصادر

  1. موقع Associated Press ؛ “Turkey signs multibillion-dollar deal with Britain for 20 Eurofighter jets” ؛ الرابط [https://apnews.com/article/da7fdc869a48f0f905b08bd4287772b2]
  2. صحيفة Reuters ؛ “Turkey’s Eurofighter Typhoon jet deal includes weapons package, source says” ؛ الرابط [https://www.reuters.com/business/aerospace-defense/turkeys-eurofighter-typhoon-jet-deal-includes-weapons-package-source-says-2025-10-29/]
  3. صحيفة Financial Times ؛ “UK to sell Typhoons to Turkey after Germany drops veto” ؛ الرابط [https://www.ft.com/content/a2d5db75-9dcb-4aa8-a9b4-6315de84dd68]
  4. موقع UK Parliament (Hansard) ؛ “UK‑Türkiye Typhoon Export Deal” ؛ الرابط [https://hansard.parliament.uk/Commons/2025-10-29/debates/65A33FDA-F396-48EE-BFB4-E893635CA1ED/details]
  5. موقع Aerotime ؛ “UK’s Starmer travels to Ankara to close the sale of Eurofighters to Turkish Air Force” ؛ الرابط [https://www.aerotime.aero/articles/uks-starmer-travels-to-ankara-to-close-the-sale-of-eurofighters-to-turkish-air-force]
  6. موقع Euractiv ؛ “Germany drops veto on Turkish bid to buy Eurofighter” ؛ الرابط [https://www.euractiv.com/news/britain-allows-ankara-to-buy-eurofighter-jets/]

تقارير استخباراتية أمريكية تكشف تسليح الإمارات لقوات الدعم السريع بطائرات مسيّرة صينية

وفقا لصحيفة “وول ستريت جورنال” ، أكدت مصادر استخباراتية أمريكية أن الإمارات متورطة في تسليح قوات الدعم السريع في السودان، حيث قامت بتزويدها بطائرات مسيّرة صينية الصنع وأنظمة تسليح متطورة عبر شبكة إمداد سرّية شملت جسراً جوياً يمتد من تشاد وليبيا، إضافة إلى دعم مالي من عائدات الذهب وعلاقات مباشرة مع قيادات الميليشيا.

وأشار التقرير إلى أن هذا الدعم العسكري النوعي مكن قوات الدعم السريع من تعزيز سيطرته في دارفور ونجاحها مؤخرا في السيطرة على الفاشر ، وأسهم في إطالة أمد الحرب السودانية وتحويلها إلى صراع إقليمي بالوكالة يهدد أمن واستقرار المنطقة بأكملها.

الدعم العسكري المباشر: أسلحة متقدمة وطائرات مسيرة صينية

يعد الدعم العسكري المباشر من الإمارات العربية المتحدة أحد أبرز العوامل التي عززت القدرات القتالية لقوات الدعم السريع . هذا الدعم، الذي تنفيه أبوظبي باستمرار، أكدته تقارير استخباراتية أمريكية نقلتها صحيفة وول ستريت جورنال، إلى جانب تحقيقات أممية ودولية موسعة، أشارت جميعها إلى قيام الإمارات بتوريد أسلحة ومعدات متطورة إلى قوات الدعم السريع، في انتهاك واضح لحظر الأسلحة المفروض على إقليم دارفور.

1. الطائرات المسيرة الصينية المتقدمة (العنصر الحاسم)
تشير تقارير منظمة العفو الدولية وخبراء لجنة الأمم المتحدة المعنية بالسودان إلى أن الإمارات زودت قوات الدعم السريع بسلسلة من الطائرات المسيرة الهجومية والاستطلاعية، التي لعبت دورا حاسما في تنفيذ ضربات دقيقة وتغيير موازين القوى على الأرض.

  • طائرات “Wing Loong II” و “FeiHong-95 (FH-95)”:
    أكدت تقارير دولية وتحقيقات ميدانية أن هذه الطائرات، وهي من أكثر المسيرات الصينية تطورا، استخدمت حصريا من قبل قوات الدعم السريع في مسارح العمليات بدارفور والخرطوم. وتشير التحليلات الاستخباراتية إلى أنها تم الحصول عليها عبر شبكة إمداد إماراتية وفرتها مخازن عسكرية وشركات وسيطة داخل الأراضي الإماراتية.

2. المدفعية والقنابل الموجهة (أسلحة ثقيلة متطورة)
وثقت منظمات دولية مستقلة، من بينها منظمة العفو الدولية ومعهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، وجود أسلحة صينية ثقيلة غير مسبوقة في حوزة قوات الدعم السريع، بعضها يظهر لأول مرة في نزاع مسلح.

  • قنابل GB50A الموجهة:
    قنابل جوية دقيقة من إنتاج شركة “Norinco” الصينية. أظهرت التحليلات التي أجرتها منظمة العفو على شظايا ومخلفات الأسلحة أن هذه القنابل صنعت عام 2024، وتعد أول استخدام موثق لها في نزاع عالمي، وأنها متوافقة تقنيا مع المسيرات الصينية التي تملكها الإمارات.

  • مدافع هاوتزر AH-4 عيار 155 ملم:
    مدافع خفيفة الوزن متقدمة من إنتاج شركة “Norinco” الصينية. أشار معهد SIPRI إلى أن الإمارات كانت الدولة الوحيدة التي استوردت هذا الطراز من الصين عام 2019، وهو ما يعزز الأدلة على أن هذه المدافع أعيد تصديرها سرا لتسليح قوات الدعم السريع.

تجمع هذه الأدلة، المستندة إلى تقارير استخباراتية أمريكية وتحقيقات أممية ومنظمات حقوقية، على أن إعادة التصدير السري للأسلحة الصينية من المخازن الإماراتية شكل عاملا رئيسيا في استمرار الحرب في السودان وتعزيز القدرات الميدانية لقوات الدعم السريع.

الجسر الجوي: خطوط الإمداد المتعددة

تشير تحقيقات استخباراتية وتحليلات أوروبية إلى أن شبكة الإمداد العسكرية التي يعتقد أن أم جرس (في شرق تشاد قرب الحدود السودانية) شكّلت إحدى أبرز محطاتها، ليست الوحيدة في دعم قوات الدعم السريع في السودان.

المحطة التشادية

  • بيانات شركات تتبع الرحلات وصور الأقمار الصناعية أظهرت أن أكثر من 80 طائرة شحن إماراتية هبطت في أم جرس منذ اندلاع الصراع السوداني.

  • انطلقت معظم هذه الرحلات من مطارات داخل الإمارات مثل أبو ظبي والعين ورأس الخيمة، ووصلت إلى المهبط التشادي القريب من الحدود.

  • الموقع يستخدم كمركز عبور لوجستي، حيث تجمع الشحنات ثم تنقل عبر البر إلى داخل السودان، خصوصاً إلى مناطق دارفور وكردفان.

  • تقارير معهد العلاقات الدولية الفرنسي (IFRI) أشارت إلى أن هذه المنطقة أصبحت نقطة محورية في خط الإمداد الممتد من الخليج إلى غرب السودان”.

المحطة الليبية (الكفرة والمناطق الحدودية)

  • كشفت تقارير  أن شبكة الإمداد توسعت لتشمل جنوب شرق ليبيا، خاصة مطار الكفرة، حيث هبطت طائرات يعتقد أنها إماراتية أو موجهة من الإمارات، وتم تفريغ حمولات قبل نقلها إلى السودان عبر الحدود الليبية-التشادية.

  • وثائق مسربة من مصادر ليبية أفادت بأن طائرتين إماراتيتين هبطتا في الكفرة يوم 10 يوليو، وتم نقل شحنات إلى قوات الدعم السريع عبر طرق صحراوية مشتركة.

  • كما أشارت تقارير أخرى إلى نشاط في منطقة جبل العوينات (المثلث الحدودي بين ليبيا والسودان ومصر)، التي أصبحت ممراً رئيسياً للعمليات اللوجستية والدعم العسكري.

أسباب اختيار هذه المحطات

  • توفر كل من تشاد وليبيا ممرات نائية بعيدة عن الرقابة الدولية، ما يسهل نقل الأسلحة والمعدات دون تتبع مباشر.

  • في ليبيا، يعتقد أن علاقات الإمارات مع القيادة العامة بقيادة خليفة حفتر ساهمت في تسهيل بعض عمليات النقل والتخزين.

  • تشاد من جانبها تمثل نقطة عبور مثالية بحكم حدودها الطويلة مع السودان ومرونتها الجغرافية في التنقل.

 البعد الاقتصادي واللوجستي: ذهب وتمويل وعلاقات معقدة

تذهب بعض التقارير إلى أن العلاقة بين الإمارات وقائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو (حميدتي) تمتد لسنوات وتشمل مصالح اقتصادية ضخمة.

أبرز محاور الدعم غير العسكري

  • الذهب السوداني: يتم تصدير كميات ضخمة إلى دبي، لتصبح مصدر تمويل رئيسي لقوات الدعم السريع.

  • العلاج الطبي للمقاتلين: تقارير أممية تؤكد علاج جرحى الدعم السريع في مستشفيات إماراتية.

  • تجنيد مرتزقة: نشاط إماراتي في تجنيد مقاتلين أجانب لدعم قوات حميدتي على الأرض.

 التداعيات الإقليمية والدولية

يرى محللون أن هذا الدعم المزعوم ينتهك قرارات الأمم المتحدة الخاصة بحظر توريد الأسلحة إلى السودان، ويحول الصراع إلى حرب بالوكالة بين قوى إقليمية.

انعكاسات محتملة

  • استمرار الحرب وتهديد وحدة السودان.

  • توتر العلاقات بين الإمارات والدول الإفريقية المجاورة.

  • احتمال فرض عقوبات دولية على الأطراف المتورطة في نقل الأسلحة.

 ضرورة التدخل الدولي

يكشف تقرير وول ستريت جورنال عن شبكة معقدة من التمويل والتسليح تدفع السودان نحو مزيد من الفوضى.
ورغم نفي الإمارات، تبقى الأدلة الموثقة مؤشراً على ضرورة رقابة دولية مشددة لوقف تدفق الأسلحة وضمان حل سياسي مستدام للأزمة السودانية.

اقرأ أيضًا

كوريا تطلق غواصة وطنية جديدة تنافس غواصات ألمانيا الأفضل في العالم

شهدت كوريا الجنوبية حدثًا استثنائيًا في 27 أكتوبر 2025 تمثّل في إطلاق الغواصة “Jang Yeong-sil” محلية الصنع، الأحدث ضمن برنامج الغواصات الوطني “KSS-III” الذي يمثل ذروة الطموح البحري والصناعي الكوري. تأتي هذه الغواصة كأول قطعة من الدفعة الثانية (Batch II) من المشروع، الذي يهدف إلى تطوير غواصات هجومية تقليدية مصمّمة ومصنّعة بالكامل داخل كوريا الجنوبية.

تمّ الإطلاق في حوض شركة “Hanwha Ocean” الذي يعد أحد أكبر مراكز بناء الغواصات في آسيا. والتي تمتلك تاريخًا طويلًا في تنفيذ مشاريع الغواصات الكورية منذ التسعينيات، ويمتلك الحوض منشآت إنتاجية عالية الدقة، وأنفاقًا صوتية لاختبار الضوضاء وأنظمة تخفيف الاهتزاز، إضافةً إلى قدرات هندسية متكاملة تتيح بناء هياكل ضخمة بمواصفات بحرية معقدة. كما شاركت الشركة في مشاريع عالمية، أبرزها التعاون مع ألمانيا وإندونيسيا في برامج الغواصات، ما منحها خبرة تراكمية أسهمت في توطين تقنيات الغواصات المتقدمة داخل كوريا الجنوبية.

شكل المشروع الوطني وتسلسله من KSS-I إلى KSS-III

انطلقت كوريا الجنوبية في صناعة الغواصات كـمشروع وطني واضح الأهداف: بدأ بنقل التكنولوجيا، وبناء قاعدة صناعية محلية، ثم الوصول للاستقلالية في التصميم والإنتاج. والبداية كانت مع مشروع “KSS-I”، حيث تمّ بناء غواصات “Type-209″ بترخيص ألماني؛ وكان الهدف آنذاك هو تعلم الصناعة الأساسية ونقل مهارات التصنيع. تلاها مشروع “KSS-II” التي بنت خلاله غواصات “Type-214″ محليًا أيضاً ولكن مع مزيد من نقل التكنولوجيا وتعميق الخبرة المحلية في الأنظمة البحرية. وهذان المشروعان شكّلا مرحلتين تعليميتين عمليّتين: من تجميع وتكرار تصميم أجنبي إلى تحسين القدرات المحلية تدريجيًا.

وبناءً على هذه القاعدة، وضعت كوريا مشروع “KSS-III” كمشروع وطني طموح للانتقال من الاعتماد الجزئي إلى الاعتماد الكبير محليًا، وزيادة الحجم والقدرات العملياتية، لتشمل مدى أبعد، وتسليح استراتيجي، وأنظمة دفع متطوّرة، وأنظمة استشعار وقيادة وتحكم محلية. الهدف الوطني هنا لم يعد فقط بناء غواصات بل امتلاك سلسلة إنتاج تكيفية قادرة على التطوير والابتكار محليًا.

تسلسل مشروع KSS-III: من Batch-I إلى Batch-II

نُفّذ مشروع “KSS-III” على دفعات متعاقبة لتقليل المخاطر ولإدخال التطوير خطوة بخطوة:

صورة توضيحية من موقع Naval News
صورة توضيحية من موقع Naval News
  • الدفعة الأولى (Batch-I):

    أول مرحلة في مشروع “KSS-III”، لم تكن محلية بالكامل، وهي خطوة تاريخية في مسار التصنيع المحلي. جاءت الغواصة بطول 83.5 متر وعرض 9.6 متر، مع إزاحة تقارب 3,358 طن على السطح و 3,750 طن تحت الماء، لتكون بذلك أول غواصة كورية يتجاوز وزنها 3,000 طن. ويبلغ عدد طاقمها حوالي 50 فرد.

    تتمتع الغواصة بمدى إبحار يصل إلى 10,000 ميل بحري، وسرعة تقارب 12 عقدة فوق الماء و 20 عقدة تحت الماء، ما يجعلها قادرة على تنفيذ مهام طويلة دون الحاجة إلى التزود بالوقود. اعتمد التصميم على منصة ثقيلة ومتينة تمثل أول تجربة وطنية خالصة بهذا الحجم، وشكّلت الأساس الذي بُنيت عليه التطويرات اللاحقة.

    من حيث التسليح، تم تجهيزها بنظام إطلاق عمودي مكوّن من 6 خلايا أطلاق عمودية خلف برج الغواصة، مخصصة لإطلاق صواريخ باليستية من طراز “Hyunmoo-4-4″ قصيرة المدى. كما تضم ستة أنابيب طوربيد أمامية عيار 533 ملم قادرة على إطلاق الطوربيدات الهجومية والصواريخ المضادة للسفن. وهي أول غواصة ديزل-كهربائية في العالم قادرة على إطلاق صواريخ باليستية من تحت الماء.

    في ما يخص التجهيز والأنظمة الإلكترونية، بلغت نسبة التوطين المحلي نحو 76%، وهي نسبة مرتفعة بالنظر إلى أنها كانت بداية مرحلة الاستقلال الصناعي. ضمّت الغواصة أنظمة سونار وقيادة وتحكم محسّنة مقارنة بالمشاريع السابقة، وإن لم تكن جميعها محلية بالكامل. كما احتوت على تجهيزات بيئية جيدة مكّنت الطاقم من تنفيذ رحلات طويلة تحت الماء.

    أما من حيث نظام الدفع، فقد استخدمت الغواصة نظام دفع مستقل عن الهواء (AIP) محلي الصنع يعتمد على خلايا وقود هيدروجينية من طراز “PH1” طورتها شركة “Bumhan Industries” الكورية. وهذا النظام أتاح للغواصة البقاء تحت الماء لمدة تصل إلى 20 يوم دون الحاجة إلى الصعود لشحن البطاريات. وقد شكّل هذا الابتكار قفزة نوعية في القدرات الكورية الذاتية على صعيد الدفع البحري.

  • الدفعة الثانية (Batch-II):

    تمثل الغواصة “Jang Yeong-sil” أول غواصة من هذه الدفعة ، وجاءت كتحديث شامل يعتمد على نفس تصميم الدفعة الأولى المحلي لكن مع تحسينات هندسية وتكنولوجية كبيرة. زاد طولها الى 89 متر، فيما ارتفعت إزاحتها إلى نحو 3,500 طن، مع الحفاظ على طاقم تشغيلي يقارب 50 فرد. وتم تعزيز الاعتمادية العامة وتحسين القدرة التشغيلية والتوازن الداخلي عبر تعديلات في تصميم الهيكل وأنظمة التبريد والتهوية.

    وعلى مستوى التسليح، توسعت قدرات الإطلاق العمودي إلى 10 خلايا اطلاق عمودية بدلاً من 6 في الدفعة الأولى، ما أتاح زيادة عدد الصواريخ وتنويع الحمولة. كما يجري العمل على تطوير صواريخ كروز أسرع من الصوت تشبه صواريخ “براهموس” الهندية لدمجها. أما في مجال الأسلحة التقليدية، فتضم الغواصة 6 أنابيب طوربيد عيار 533 ملم، يمكنها إطلاق طوربيدات “Tiger Shark”، وصواريخ “C-Star III” المضادة للسفن، بالإضافة إلى ألغام “SLMM” البحرية المتنقلة، ما يمنحها مرونة واسعة لتنفيذ مهام متعددة تشمل الهجوم البحري والدعم الخاص وزرع الألغام.

    في جانب التجهيز والأنظمة المحلية، ارتفعت نسبة المكونات الكورية إلى أكثر من 80%، وشملت أنظمة القتال والسونار والقيادة والتحكم المطورة محليًا. وتم إدخال تحسينات متقدمة في مجال التخفي الصوتي عبر استخدام مواد امتصاص حديثة وتعديلات ميكانيكية خفّضت البصمة الصوتية بنسبة 15 الى 20%. كما طُوّر نظام تدوير الهواء والتحكم الحراري لزيادة راحة الطاقم وتمكين الغواصة من البقاء تحت الماء لفترات أطول دون الحاجة إلى الصعود للسطح.

    وفيما يخص نظام الدفع، تُعدّ “Batch-II” أول غواصة كورية مزودة بنظام دفع مزدوج يجمع بين بطاريات الليثيوم-أيون عالية الكثافة وخلايا الوقود الهيدروجينية من تطوير شركتي “Hanwha Aerospace” و”Doosan Fuel Cell” الكوريتين. ويمنح هذا المزيج الغواصة قدرة تخزين طاقة مضاعفة مقارنة بالبطاريات التقليدية، مع إمكانية البقاء تحت الماء لأكثر من 20 يوم. هذا النظام محلي بالكامل تقريبًا، باستثناء بعض وحدات التحكم الفرعية التي استخدمت في مراحل الاختبار الأولى. ويقارب الأداء العام للغواصة الجديدة أداء غواصات حديثة مثل “Type-212CD” الألمانية من حيث الكفاءة التشغيلية، ما يجعلها واحدة من أكثر الغواصات غير النووية تقدمًا في آسيا.

وتندرج الغواصة ضمن منظومة الردع الكورية، التي تتيح تنفيذ ضربات دقيقة في حال أي هجوم مفاجئ من الشمال. حيث تمثل هذه الغواصات ذراع “الرد الثاني” لكوريا الجنوبية، إذ يمكنها إطلاق ضربات انتقامية حتى في حال تضرر المنشآت البرية، ما يعزز من الردع البحري في شبه الجزيرة الكورية.

نحو استقلال دفاعي وسيادة تكنولوجية وفرص للتصدير

يمثل مشروع KSS-III انعطافًا استراتيجيًا نحو الاستقلال الدفاعي، خاصة بعد رفع القيود الأمريكية على مدى الصواريخ الكورية عام 2021. هذا التطور مكّن سيول من تطوير صواريخ بحرية بمدى يتجاوز 800 كيلومتر مستقبلًا، وربما الانتقال مستقبلاً إلى تطوير غواصات تعمل بالطاقة النووية إذا اقتضت الظروف الإقليمية.

كما تسعى كوريا الجنوبية إلى طرح الغواصة الديدة “KSS-III Batch II” للتصدير بعد إثبات كفاءتها التشغيلية داخليًا. وتشير تقارير الدفاع الكورية إلى أن أول تصدير محتمل سيكون بعد 2027، عقب تسليم الغواصة الأولى للبحرية الكورية وإتمام تجارب الأداء.

أما الدول المهتمة فتتضمن كندا، إضافة إلى إندونيسيا والهند والفلبين وتايلاند. فبالمقارنة مع المنافسين، تتفوق الغواصة الكورية في المدى والاستقلالية التشغيلية على نظيراتها اليابانية فئة “Sōryū” والفرنسية “Scorpène”، وتقترب من الغواصة “Type 212CD” الألمانية من حيث الأداء، مع تكلفة أقل بنسبة 25 إلى 30%.

خلاصة

إن الغواصة “Jang Yeong-sil” ليست مجرد قطعة بحرية جديدة، بل تمثل تتويجًا لمسيرة استقلال صناعي وتكنولوجي امتدت لعقود. تجمع هذه الغواصة بين الابتكار التقني، والكفاءة القتالية، والاعتماد الذاتي، ما يجعلها نقطة تحول في ميزان القوى البحرية في شرق آسيا.

فكوريا الجنوبية، التي كانت يومًا ما تعتمد على ترخيص أجنبي لبناء غواصاتها، أصبحت اليوم تنتج واحدة من أكثر الغواصات التقليدية تقدمًا في العالم — قادرة على العمل بصمت في الأعماق، والدفاع عن سيادة البلاد، وربما في المستقبل، المنافسة في سوق الغواصات العالمية كقوة صناعية بحرية مكتملة الأركان.

المصادر

  1. موقع Naval News الموضوع “تفاصيل دفعة Batch II، المواصفات، البطاريات” الرابط: https://www.navalnews.com/naval-news/2024/02/south-korea-begins-construction-of-third-kss-iii
  2. موقع Naval News موضوع “توضيح تقنية البطاريات الليثيوم-أيون في Batch II” الرابط: https://www.navalnews.com/event-news/madex-2021/2021/06/south-koreas-kss-iii-batch-2-submarine-to-feature-both-aip-and-li-ion-batteries/
  3. موقع Naval‑Technology موضوع “تحليل تصميميات Batch I وII، المواصفات والمكونات” الرابط: https://www.naval-technology.com/projects/kss-iii-jangbogo-iii-class/
  4. موقع Army Recognition موضوع “تفاصيل إزاحة الغواصة، دفعة Batch I” الرابط: https://armyrecognition.com/news/navy-news/2024/south-korea-commissions-kss-iii-batch-i-submarine-shin-chaeho
  5. موقع Continental Defence موضوع “المكونات المحلية، النسب، استخدام البطاريات” الرابط: https://continental-defence.com/south-korea-begins-construction-of-second-kss-iii-batch-ii-submarine

المقاتلة السويدية Gripen E رهان أوكرانيا على المرونة والفعالية في سماء الحرب

تعد المقاتلة السويدية متعددة المهام Saab JAS-39 Gripen E واحدة من أكثر الطائرات الأوروبية إثارة للاهتمام في الساحة العسكرية الحديثة، لما تجمعه من كفاءة تشغيلية عالية، وتكلفة منخفضة نسبيا، وقابلية استثنائية للتكيف مع بيئات القتال الصعبة.

ومع إعلان أوكرانيا عزمها على اقتناء 100 إلى 150 مقاتلة من هذا الطراز ، بدأت دوائر الخبراء تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت Gripen E قادرة على إحداث نقلة نوعية في الصراع الجوي مع روسيا، في ظل بيئة عملياتية معقدة تتخللها أنظمة دفاع جوي متقدمة مثل S-400 ومقاتلات تفوق جوي متطورة من طراز Su-35.

,في هذا التقرير، نعرض تحليلا شاملا لأهمية المقاتلة، مواصفاتها، ميزاتها التشغيلية، تكلفتها، ودورها المحتمل في موازين القوة الجوية داخل أوكرانيا.

لماذا تعد Gripen E مهمة لأوكرانيا؟

تكمن أهمية الصفقة السويدية-الأوكرانية في كونها أول مشروع متكامل للتعاون الدفاعي طويل الأمد بين البلدين، يشمل ليس فقط توريد الطائرات، بل أيضا برامج التدريب والصيانة ونقل الخبرة التكنولوجية.

فوفقا للاتفاق الموقع في أكتوبر 2025، تخطط كييف لاقتناء ما بين 100 و 150 طائرة من طراز Gripen E، مع احتمال استلام دفعة أولى من النسخة الأقدم C/D في عام 2026، ريثما يبدأ تسليم النسخ الأحدث خلال ثلاث سنوات من توقيع العقد.

من منظور استراتيجي، تمثل Gripen E خيارا مثاليا لدولة تخوض حرب استنزاف طويلة، فهي طائرة صممت لتكون عملية، سريعة الانتشار، وسهلة الصيانة، ما يمنحها قدرة على الاستمرار في القتال حتى في ظل تضرر البنية التحتية أو محدودية الإمدادات.

المواصفات العامة وأحدث النسخ

تنتمي Gripen E إلى فئة المقاتلات خفيفة الوزن متعددة المهام، ويبلغ طولها نحو 15 متر، مع جناحين بطول 8.6 متر، وسرعة قصوى تصل إلى 2 ماخ، ومدى عملياتي يقارب 1500 كيلومتر دون خزانات وقود إضافية.

أحدث نسخها، Gripen E/F ، مزودة بمحرك أمريكي الصنع من طراز GE F414G يمنحها قوة دفع تقارب 22 ألف رطل، إضافة إلى رادار من نوع AESA Raven ES-05 بقدرات تتبع متقدمة، وأنظمة حرب إلكترونية دفاعية وهجومية من أكثرها تطورًا في فئتها.

تسليح طائرة "جريبن" السويدية
تسليح طائرة جريبن السويدية

أما في ما يتعلق بالتسليح، فالمقاتلة قادرة على حمل تشكيلة واسعة من الذخائر الغربية:

  • صواريخ جو-جو بعيدة المدى مثل Meteor و AMRAAM.
  • صواريخ قصيرة المدى مثل IRIS-T و Sidewinder.
  • قنابل موجهة مثل GBU-39/B و JDAM.
  • صواريخ مضادة للسفن مثل RBS-15.
  • صواريخ شبحية مثل JASSM و SCALP.
  • ذخائر جو-أرض مثل Brimstone البريطانية.

هذه المنظومة المتنوعة تجعل Gripen منصة قتال متعددة الأدوار بحق، قادرة على تنفيذ مهام اعتراض، دعم أرضي، وقصف بحري في آن واحد.

التكلفة التشغيلية وتحدي الحرب الطويلة

في بيئة حرب مستمرة كالتي تواجهها أوكرانيا، لا تقل تكلفة التشغيل والصيانة أهمية عن القوة القتالية نفسها.

وتشير تقديرات مراكز الأبحاث الغربية إلى أن تكلفة ساعة الطيران الواحدة لطائرة Gripen E لا تتجاوز حوالي 5 إلى 7 آلاف دولار ، أي أقل بثلاثة إلى أربعة أضعاف من تكلفة تشغيل مقاتلات مثل F-16 أو Rafale.

هذه الميزة تمنح سلاح الجو الأوكراني قدرة على الحفاظ على وتيرة طلعات عالية دون إنهاك الميزانية، وتتيح للحكومة توجيه موارد إضافية نحو مشاريع أخرى أكثر إلحاحا، مثل الدفاع الجوي أو تطوير الطائرات المسيرة.

بمعنى آخر، تمثل Gripen E خيارا اقتصاديا في حرب استنزاف، يمكنه تأمين فعالية قتالية مستدامة بدلا من الحلول الباهظة قصيرة الأمد.

شبكة دعم متعددة المصادر

إحدى أبرز نقاط قوة المقاتلة السويدية تكمن في بنيتها المفتوحة أو ما يعرف بـ Open Architecture التي تسمح بدمج مكونات وأنظمة من مصادر مختلفة.

فمحركها أمريكي، ورادارها بريطاني-إيطالي الأصل، وأنظمة الاتصالات فيها قابلة للتكامل مع تجهيزات الناتو.

هذا التنوع يسهل على أوكرانيا الحصول على الدعم وقطع الغيار من عدة دول في حال تعرضت شبكات الإمداد لأي انقطاع.

كما أن شركة Saab أعلنت استعدادها لتوسيع إنتاجها في السويد والبرازيل وربما إنشاء مركز تجميع أو صيانة في دولة أوروبية قريبة من أوكرانيا لتأمين استمرارية الصيانة خلال الحرب.

التوافق مع ترسانة الذخائر الغربية

أثبتت التجارب السابقة، ولا سيما مع طياري أوكرانيا الذين خضعوا لاختبارات قيادة Gripen منذ عام 2023، أن الطائرة قادرة على التكيّف مع طيف واسع من الأسلحة الغربية.

هذا أمر بالغ الأهمية، إذ إن أوكرانيا تتلقى ذخائر من مصادر متعددة: الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، والسويد نفسها.

وبفضل نظام إدارة تسليح مرن، تستطيع Gripen E أن تزود بصواريخ موجهة من مختلف المصانع، ما يقلل الحاجة إلى تخصيص خطوط لوجستية معقدة أو اعتماد دولة واحدة كمصدر رئيسي للتسليح.

القدرة على العمل في بيئة قتال مشتعلة

صممت Gripen E لتعمل من مدارج قصيرة أو طرق سريعة بطول لا يتجاوز 800 متر، وهو ما يمنحها ميزة نادرة في الحروب التي تتعرض فيها القواعد الجوية للقصف المستمر.

يمكن لفريق صغير من الفنيين تجهيزها للإقلاع خلال دقائق معدودة، كما يمكن نشرها وتشغيلها من مواقع متفرقة في الميدان، مما يجعل استهدافها مهمة صعبة على القوات المعادية.

هذه القدرة على العمل اللامركزي تتناسب تمامًا مع الواقع الأوكراني، حيث تُستهدف البنى التحتية الجوية بشكل متكرر.

فرصها أمام نظام S-400

من الطبيعي أن يتساءل المراقبون عن قدرة Gripen E على مواجهة منظومة روسية قوية مثل S-400 تريومف.

الحقيقة أن الطائرة ليست مصممة لاختراق الدفاعات بعيدة المدى بشكل مباشر كما تفعل طائرات شبحية مثل F-35، لكنها تمتلك حزمة قوية من أنظمة الحرب الإلكترونية تستطيع التشويش على الرادارات الروسية وتقليل احتمال الكشف.

كما أن استخدامها لصواريخ بعيدة المدى من نوع Meteor يمنحها القدرة على الاشتباك مع المقاتلات الروسية قبل دخول نطاق S-400، ما يسمح بتكتيك الضرب من الخارج دون تعريض الطيارين لمخاطر كبيرة.

ورغم أن التغلب الكامل على منظومة S-400 يبقى تحديا كبيرا لأي مقاتلة غير شبحية، فإن Gripen E يمكنها المساهمة في إضعاف تغطيتها وتحييد بعض عناصرها بالتعاون مع الطائرات المسيرة وصواريخ الكروز وأنظمة الحرب الإلكترونية الأوكرانية. واذا كنت مهتم أكثر بهذا الموضوع اقرأ المقال التالي بعنوان: نظام S-400 درع السماء الروسية بين الأسطورة والاختبار الميداني.

مواجهة مقاتلات التفوق الجوي الروسية Su-35

في ساحة القتال الجوية، تبقى Su-35 أحد أخطر التحديات أمام أي طائرة أوكرانية. فهي مقاتلة ثقيلة ثنائية المحرك، تمتلك مدى كشف طويل بفضل رادار Irbis-E القوي، وقدرة مناورة هائلة، وتسليح متقدم بصواريخ R-77-1 و R-37M بعيدة المدى.

لكن Gripen E، رغم كونها أخف وزنا، لا تعد خصما سهلا. فبفضل رادارها النشط AESA وأنظمة الحرب الإلكترونية المتقدمة، تستطيع تقليص ميزة الكشف التي تمتلكها Su-35، بل وتوظيف بصمتها الرادارية الصغيرة لتصعب عملية استهدافها.

كما تمنحها صواريخ Meteor البريطانية الصنع مدى اشتباك يصل إلى أكثر من 150 كيلومتر، ما يجعلها قادرة على إطلاق النار أولا في كثير من السيناريوهات.

إضافة إلى ذلك، فإن فلسفة القتال السويدية تعتمد على القتال الشبكي والتكتيكات الجماعية، بحيث تعمل المقاتلات في مجموعات صغيرة مترابطة، تشارك البيانات في الوقت الحقيقي، وتنفذ كمائن جوية ضد طائرات الخصم.

هذا الأسلوب، حين يدمج مع أنظمة الإنذار المبكر الأوكرانية، يمكن أن يمنح Gripen E فرصة حقيقية لتقليص تفوق Su-35 العددي والتكنولوجي.

وبالمقابل، في الاشتباك القريب (Dogfight)، تبقى Su-35 متفوقة في المناورة بفضل الدفع الموجه (Thrust Vectoring)، لكن Gripen E قد تعتمد على صواريخ IRIS-T قصيرة المدى عالية الدقة لتعديل كفة القتال في تلك المسافات الحرجة.

وبصورة عامة، يمكن القول إن Gripen E لا تهزم Su-35 بسهولة، لكنها تمتلك أدوات واقعية لتحقيق التكافؤ من خلال التخفي النسبي، الحرب الإلكترونية، والتنسيق الشبكي، وهي عناصر تناسب الأسلوب الأوكراني في القتال المرن القائم على الكمائن الجوية.

التكامل مع طائرات الإنذار المبكر

تعتمد فعالية المقاتلات الحديثة على مدى تكاملها مع منظومات الإنذار والسيطرة الجوية (AWACS). وفي هذا الجانب، تتميز Gripen E بقدرتها العالية على التواصل مع أنظمة الإنذار المبكر التي حصلت عليها أوكرانيا مؤخرا من الحلفاء الغربيين، عبر وصلات بيانات متوافقة مع شبكات الناتو.

هذا التكامل يتيح للمقاتلات تلقي معلومات دقيقة عن مواقع الأهداف في الوقت الحقيقي، ما يزيد من دقتها وفعاليتها القتالية، خاصة عند العمل في تشكيلات مختلطة مع مقاتلات F-16 المستقبلية.

بين الكفاءة والواقعية

رغم كل مزاياها، يجب النظر إلى مشروع Gripen E الأوكراني بعيون واقعية. فإدخال 150 طائرة جديدة في سلاح جو يتعرض للضغط المستمر يتطلب بنية تحتية ضخمة وبرامج تدريب طويلة المدى.

لكن في المقابل، فإن الصفقة تمثل استثمارا استراتيجيا سيحول سلاح الجو الأوكراني من منظومات سوفييتية قديمة إلى منصة حديثة متوافقة مع الناتو خلال عقد من الزمن.

السويد بدورها ترى في المشروع فرصة لتعزيز حضورها الصناعي والدفاعي عالميًا، إذ تخطط Saab لتوسيع إنتاجها ورفع قدرتها من 30 طائرة سنويا إلى أكثر من ذلك في غضون عامين، لتلبية الطلب الأوكراني والسوق الدولية.

في النهاية، تجسد المقاتلة السويدية Gripen E فلسفة الذكاء قبل القوة في عالم الطيران القتالي: طائرة خفيفة، متعددة المهام، منخفضة التكلفة، لكنها متطورة في أنظمتها وقدرتها على التكيف.

إنها ليست سلاحًا سحريا قادرا على قلب الموازين وحدها، لكنها لبنة رئيسية في بناء قوة جوية أوكرانية حديثة ومرنة، قادرة على الصمود في حرب طويلة الأمد، ومواصلة القتال حتى في أحلك الظروف.

وبينما تبقى منظومات مثل S-400 ومقاتلات Su-35 تهديدات صعبة، فإن Gripen E تمنح أوكرانيا ما كانت تفتقده لسنوات: المرونة، والاعتمادية، والقدرة على الاستمرار.

المصادر

  1. شركة ساب السويدية “Gripen E/F fighter system overview“.
  2. الحكومة السويدية “Sweden and Ukraine deepen air force cooperation” (22 أكتوبر 2025).
  3. موقع تكنلوجيا القوات الجوية “Gripen E Multirole Fighter Aircraft, Sweden“.
  4. وكالة رويترز “Sweden and Ukraine eye export deal for up to 150 Gripen” (22 أكتوبر 2025).
  5. موسوعة ويكيبيديا “Saab JAS 39 Gripen“.

روسيا تختبر صاروخ جديد يعمل بالطاقة النووية لديه مدى غير محدود

أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده نجحت في تجربة صاروخ جديد يعمل بالطاقة النووية يُسمى “بوريفيستنيك”، وهو صاروخ مجنّح قادر على التحليق لمسافات هائلة وتجاوز أنظمة الدفاع الصاروخي الأمريكية والغربية.

وقال بوتين إن التجربة الأخيرة التي أُجريت في 21 أكتوبر كانت حاسمة، حيث قطع الصاروخ حوالي 14 ألف كيلومتر خلال 15 ساعة من الطيران ، ونفّذ مناورات معقدة لتجنّب الرادارات وأنظمة الدفاع الجوي. وأوضح أن الصاروخ ما زال بحاجة إلى بعض الإجراءات قبل دخوله الخدمة العسكرية.

ويحمل “بوريفيستنيك” محركًا نوويًا يمنحه قدرة على الطيران لفترات طويلة جدًا دون الحاجة للتزود بالوقود، وهو ما يجعل مداه لامحدود نظريا.

يرى محللون أن روسيا من خلال هذا الصاروخ تريد إرسال رسالة قوة وردع إلى الولايات المتحدة وحلف الناتو، في ظل التوترات المستمرة بين الجانبين. فالسلاح الجديد يُظهر قدرة موسكو على تطوير أنظمة يصعب اعتراضها، ما يعزز موقعها في سباق التسلح العالمي.

لكن خبراء عسكريين يشيرون إلى أن الصاروخ ليس سريعًا جدًا، إذ يُعتبر دون صوتي أي أنه يطير بسرعة أقل من سرعة الصوت، ما يجعله عرضة للكشف والاعتراض إذا ظل في الجو لفترات طويلة. لذلك يعتبره البعض سلاح ردع نفسي وتقني أكثر من كونه سلاحًا عمليًا يمكن استخدامه فعليًا في المعارك.

في حين تثير فكرة صاروخ يعمل بالطاقة النووية قلقًا بيئيًا كبيرًا، إذ إن أي خلل أثناء الطيران أو سقوط الصاروخ قد يؤدي إلى تسرّب إشعاعي خطير. وسبق أن وقعت حوادث في روسيا خلال تجارب مشابهة تسببت في تسربات إشعاعية محدودة، ما يثير مخاوف من استخدام مثل هذه التكنولوجيا في صواريخ متحركة.

ومع ذلك، يرى بعض الخبراء أن تطوير محرك نووي صغير للصواريخ قد يفتح الباب لتقنيات مستقبلية في مجالات الطيران والفضاء، إذا تم التحكم بها بأمان.

تجربة “بوريفيستنيك” تُظهر أن روسيا ما زالت تعمل على أسلحة غير تقليدية لتعزيز قدراتها العسكرية، لكنها أيضًا تطرح تساؤلات حول جدوى هذا السلاح، ومدى أمانه على البيئة والإنسان. فبينما تصفه موسكو بأنه إنجاز فريد، يرى آخرون أنه رمز استعراضي للتقدم التكنولوجي الروسي أكثر من كونه سلاحًا حاسمًا في ميدان القتال.

 

 

إغراق المدمّرة الإسرائيلية “إيلات”: لحظة فارقة في تاريخ الحروب البحرية الحديثة

في مثل هذا اليوم، تحلّ ذكرى واحدة من أبرز العمليات العسكرية البحرية في التاريخ الحديث، والتي غيّرت موازين الفكر الاستراتيجي البحري على مستوى العالم. إنها عملية إغراق المدمّرة الإسرائيلية “إيلات” على يد البحرية المصرية في 21 أكتوبر عام 1967، بعد مرور أشهر قليلة على هزيمة يونيو 1967 ، في حدث حمل أبعادًا عسكرية وتكنولوجية وسياسية عميقة لا تزال آثارها ممتدة حتى اليوم.

أصل السفينة وموقعها في الأسطول

كانت المدمرة واحدة من أبرز قطع الأسطول الإسرائيلي في تلك الحقبة. في الأصل كانت مدمّرة بريطانية تُعرف باسم “HMS Zealous” من فئة “Z-Class” تم طُويرها خلال الحرب العالمية الثانية لخدمة البحرية الملكية البريطانية. دخلت السفينة الخدمة في عام 1944، وشاركت في مهام متعددة مع الأسطول البريطاني، قبل أن تُباع لاحقًا لإسرائيل في عام 1955، لتُعاد تسميتها إلى “إيلات”.

تميّزت المدمّرة بتصميمها الكلاسيكي الذي يجمع بين السرعة والتسليح القوي، حيث كانت مجهّزة بمدافع بحرية من عيار 114 ملم، ومدافع مضادة للطائرات، فضلاً عن أنظمة رادارية متطورة نسبيًا لتلك الفترة. ومع دخولها الخدمة في البحرية الإسرائيلية، أصبحت “إيلات” بمثابة العمود الفقري للعمليات السطحية، نظراً لسرعتها وقدرتها على التحرك لمسافات طويلة، واستخدمت في مهام مراقبة واستطلاع على طول السواحل المصرية.

السفينة البريطانية فئة "Z-Class"
السفينة البريطانية فئة “Z-Class”

السياق السياسي والعسكري بعد حرب 1967

جاءت عملية إغراق “إيلات” في مرحلة شديدة الحساسية من التاريخ الحديث. فبعد نكسة يونيو 1967، كانت مصر تسعى لإعادة بناء قواتها المسلحة واستعادة ثقة الجندي والشعب في قدرتهما على الرد. وكان الرئيس جمال عبد الناصر قد بدأ بالفعل تنفيذ خطة إعادة تنظيم شاملة للقوات المسلحة، وجرى التركيز على رفع كفاءة الأسلحة البحرية بعد أن أدركت القيادة المصرية أن السيطرة على البحر المتوسط والبحر الأحمر تمثل عاملًا حاسمًا في أي صراع مستقبلي مع إسرائيل.

وفي خضم هذا المناخ المشحون، كانت المدمّرة الإسرائيلية “إيلات” تنفّذ دوريات استفزازية متكررة قرب السواحل المصرية، وبالتحديد أمام مدينة بورسعيد المصرية. كانت تلك التحركات تُعدّ خرقًا واضحًا لحدود المياه الإقليمية المصرية، كما كانت تمثل استعراضًا للقوة من جانب إسرائيل التي أرادت تأكيد سيطرتها على شرق المتوسط بعد الحرب. غير أن القيادة المصرية قررت الرد، ليس بردّ رمزي، بل بعملية تحمل دلالات عسكرية وسياسية كبرى.

دخول الصاروخ إلى ساحة المعركة البحرية

في ذلك الوقت، كانت البحرية المصرية قد حصلت حديثًا على زوارق صواريخ من طراز“كومار Komar” السوفيتية الصنع، وهي زوارق صغيرة الحجم ولكنها سريعة وخفيفة، ومزوّدة بصواريخ موجهة من طراز “P-15 Termit”. والتي كانت تُعدّ آنذاك سلاحًا ثوريًا في الحرب البحرية، إذ تمكّنت من الجمع بين المدى الطويل نسبيًا حتى 40 كيلومتر والرأس الحربي الضخم الذي يصل وزنه إلى أكثر من 500 كيلوجرام من المواد شديدة الانفجار. وكانت الميزة الأهم هي أن الصاروخ موجه بالرادار ويمكن إطلاقه من زوارق صغيرة دون الحاجة إلى سفن ضخمة أو طائرات.

مشهد اطلاق صاروخ "P-15 Termit" المضاد للسفن من زورق "كومار" السوفياتي
مشهد اطلاق صاروخ “P-15 Termit” المضاد للسفن من زورق “كومار” السوفياتي

رأت القيادة البحرية المصرية في هذا السلاح الجديد فرصة لاختبار قدرة مصر على استخدام التكنولوجيا الحديثة لتعديل موازين القوة البحرية. وتم وضع خطة محكمة لاستخدام زورقين من طراز “كومار” يتمركزان في ميناء بورسعيد، على أن يهاجما المدمّرة الإسرائيلية فور اقترابها من مدى الصواريخ.

من لحظة الرصد إلى لحظة الغرق

في مساء 21 أكتوبر 1967 ، كانت المدمّرة “إيلات” تقوم بدورية روتينية بالقرب من الساحل المصري، على مسافة تُقدّر بنحو 14 ميلاً بحريًا شمال شرق بورسعيد. التقطت أجهزة الرادار المصرية إشارات السفينة، وأُعطيت الأوامر بالتحرك الفوري. انطلقت الزوارق المصرية بسرية تامة، واستطاعت بفضل حجمها الصغير أن تقترب من مدى الاشتباك دون أن تُكتشف. عند الساعة الخامسة مساءً تقريبًا، أطلق أحد الزوارق أحد صواريخه باتجاه الهدف. أصاب الصاروخ جسم المدمّرة إصابة مباشرة مدمّرة ، أحدثت انفجارًا هائلًا وشوّهت جزءًا كبيرًا من هيكلها.

حاولت “إيلات” الابتعاد وإرسال إشارات استغاثة، غير أن الزورق المصري أطلق صاروخًا ثانيًا أكمل الضربة، فاشتعلت النيران في السفينة، وبدأت تميل على جانبها الأيمن. بعد دقائق، تم إطلاق صاروخ ثالث من زورق آخر ليصيبها إصابة قاضية، فانفجرت المدمّرة بالكامل وغرقت في غضون دقائق. مما أسفر عن مقتل نحو 47 من طاقم السفينة تقريبا ، وإصابة العشرات، بينما تمكّنت بعض القطع الإسرائيلية من إنقاذ من تبقى من الطاقم على قيد الحياة بعد أن غرقت السفينة تمامًا.

ولادة عصر الصاروخ البحري

شكّلت عملية إغراق “إيلات” لحظة فاصلة في التاريخ العسكري العالمي، إذ كانت أول مرة في التاريخ تُغرق فيها سفينة حربية بواسطة صواريخ موجهة تُطلق من زورق صغير. مما غيّر النظرة التقليدية إلى الحروب البحرية التي كانت تعتمد على السفن الضخمة ذات المدافع الثقيلة. ومنذ تلك اللحظة، بدأت جميع القوى البحرية في العالم بإعادة تقييم استراتيجياتها. أنشأت بعدها الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي ودول أوروبا برامج عاجلة لتطوير أنظمة دفاع صاروخية بحرية وأنظمة مضادة للصواريخ. كما بدأ سباق عالمي في تصميم زوارق صواريخ صغيرة وسريعة تُعد اليوم العمود الفقري للأساطيل الساحلية في العديد من الدول.

استعادة الكبرياء المصري

بعيدًا عن الجانب العسكري، كان للعملية وقعٌ نفسي وسياسي هائل في الداخل المصري والعالم العربي. فقد جاءت العملية بعد أشهر قليلة من هزيمة قاسية، لتعيد للمصريين الثقة في قواتهم المسلحة. ألقى الرئيس جمال عبد الناصر خطابًا بعدها أشاد فيه بشجاعة البحرية المصرية، مؤكدًا أن ما حدث ليس مجرد انتقام، بل بداية مرحلة جديدة من “حرب الاستنزاف” التي تهدف إلى استنزاف العدو ماديًا ومعنويًا.

أما على الصعيد الإسرائيلي، فقد تسبّب غرق “إيلات” في صدمة كبيرة للرأي العام، وبدأت القيادة العسكرية بإعادة التفكير في تكتيكاتها البحرية. وأُطلقت برامج عاجلة لتزويد السفن بأنظمة إنذار مبكر ودفاع مضاد للصواريخ، وهو ما غيّر شكل بناء السفن الحربية الإسرائيلية في السنوات اللاحقة.

ردود الفعل الدولية وإعادة صياغة العقيدة البحرية

لم يكن تأثير العملية محصورًا في الشرق الأوسط فقط، بل امتدّ إلى العالم بأسره. نشرت المجلات العسكرية الغربية تحليلات مطوّلة حول “الحدث الذي غيّر وجه البحر”. اعترفت تقارير حلف الناتو بأن استخدام الصاروخ الموجّه كسلاح رئيسي للسفن الصغيرة أصبح حقيقة لا يمكن تجاهلها. بدأت البحرية الأمريكية في إدخال تعديلات على تكتيكاتها، فيما طوّر الاتحاد السوفيتي سلسلة من الزوارق الصاروخية بناءً على نجاح التجربة المصرية، مثل طراز “أوسا” الذي انتشر لاحقًا في العديد من الدول. وهكذا، لم تكن عملية “إيلات” مجرد انتصار تكتيكي، بل كانت ثورة في مفاهيم الحرب البحرية ، وفتحت الباب أمام جيل جديد من الأسلحة والأنظمة الدفاعية.

الدرس الذي لا يُنسى

بعد أكثر من نصف قرن على تلك العملية، لا تزال ذكرى إغراق المدمّرة الإسرائيلية إيلات تُدرَّس في الأكاديميات العسكرية كنموذج للابتكار التكتيكي والاستخدام الذكي للتكنولوجيا في مواجهة خصم متفوّق عددًا وعدّة. لقد أثبتت مصر من خلال تلك الضربة أن الإرادة والعلم يمكن أن يصنعا معجزة عسكرية تغير مجرى التاريخ. وإذا كان القرن العشرون قد شهد بداية عهد الصواريخ في الحروب البرية والجوية، فإن يوم 21 أكتوبر 1967 كان لحظة ميلاد عصر الصاروخ البحري الذي ما زال يرسم معالم القوة البحرية حتى اليوم.

المصادر

  1. “Warship Eilat Is Sunk” — Center for Israel Education: مقالة تفصيلية عن الحادثة، مع بيانات حول الغرق والخسائر.
  2. “P-15 Termit” — ويكيبيديا: وصف تفصيلي لصاروخ مضاد للسفن الذي استُخدم في الحادثة، مع المواصفات.
  3. “Aftermath of the Elath” — U.S. Naval Institute Proceedings (أكتوبر 1969): تحليل بعدي للحادثة وأثرها على العقيدة البحرية.
  4. “Israeli Navy: The Navy Throughout Israel’s Wars” — Jewish Virtual Library: ملخّص لتاريخ البحرية الإسرائيلية يتضمّن الحادثة.
  5. “Israeli destroyer Eilat is sunk by the Egyptian Navy in 1967” — Egypt Today: تقرير إخباري مصري يلخّص الحادثة ومحيطها.
  6. “SS-N-2 STYX” — GlobalSecurity.org: وصف فني للصاروخ “ستايكس” المضاد للسفن.