عسكرة حاويات الشحن: الترسانة المستترة في شرايين التجارة العالمية

تعد عسكرة حاويات الشحن (Weaponization of Shipping Containers) واحدة من أكثر التحولات الاستراتيجية تعقيداً في العقيدة العسكرية المعاصرة، حيث تمثل نقطة الالتقاء بين الابتكار اللوجستي والحروب غير المتماثلة. في عالم يعتمد بقاؤه على تدفق ملايين الصناديق المعدنية يومياً، برزت فكرة تحويل هذه الوحدات النمطية إلى منصات قتالية قادرة على حمل صواريخ كروز أو أسراب من الطائرات المسيرة. هذا المفهوم لا يغير فقط من شكل الاشتباك العسكري، بل يعيد تعريف “ميدان المعركة” ليشمل الموانئ التجارية والطرق السريعة وسكك الحديد، مما يضع النظام الدولي أمام تحديات قانونية وأمنية غير مسبوقة.

الإطار الاستراتيجي: عسكرة الوسائل المدنية والإنكار التكتيكي

تندرج هذه الممارسة تحت مظلة عسكرة الوسائل المدنية، وهي فلسفة قتالية تعتمد على مبدأ “الاختباء في العلن”. في العلوم العسكرية، يُعرف هذا التوجه بـ الإنكار التكتيكي، حيث تسعى الدولة إلى نشر قدراتها الهجومية داخل البنية التحتية المدنية لضمان عدم رصدها من قبل استخبارات العدو. الحاوية هنا تعمل كـ “وحدة نمطية مستقلة”، حيث تُجهز داخلياً بكافة الأنظمة اللازمة للإطلاق والتحكم دون تغيير بصمتها البصرية الخارجية. هذا الغموض المتعمد يمنح المهاجم قدرة هائلة على توجيه ضربات استباقية من منصات تبدو للوهلة الأولى مجرد شحنات تجارية عادية، مما يشل قدرة الخصم على اتخاذ قرار الرد السريع.

التشريح التقني لمنظومات الحاويات المعسكرة

من الناحية التقنية، تتجاوز عسكرة الحاويات مجرد تخزين السلاح؛ فهي تتطلب هندسة دقيقة لتحويل الحاوية إلى منصة إطلاق مستقلة (Standalone Launch Platform). تشمل هذه الأنظمة آليات هيدروليكية متطورة لفتح السقف ورفع منصة الصواريخ في ثوانٍ معدودة. وتعد منظومة Club-K الروسية النموذج الأبرز لهذا التطور، حيث تدمج صواريخ جوالة بعيدة المدى داخل حاوية قياسية بطول 40 قدماً، مزودة بنظام إدارة معارك (Battle Management System) يتصل بالأقمار الصناعية لتلقي الإحداثيات. هذه الاستقلالية التقنية تعني أن الحاوية لا تحتاج لمركبة عسكرية خاصة، بل يمكن تفعيلها وهي قابع فوق سفينة شحن وسط المحيط أو على مقطورة شاحنة تجارية تجوب الطرقات السريعة.

مثال لعسكرة حاويات الشحن بتركيب نظام صواريخ Club-K الروسية ضمن حاوية يمكن وضعها على أي سفينة تجارية
مثال لعسكرة حاويات الشحن بتركيب نظام صواريخ Club-K الروسية ضمن حاوية يمكن وضعها على أي سفينة تجارية

التاريخ والتطور: من السفن التجارية المسلحة إلى عصر المسيرات

يعود تاريخ استخدام الوسائل المدنية في الحروب إلى “السفن التجارية المسلحة” في الحروب العالمية[المصدر]، لكن الفارق اليوم يكمن في دقة السلاح ومدى فتك التكنولوجيا المخبأة. لقد كانت القفزة النوعية مع توحيد معايير الحاويات عالمياً، مما وفر غطاءً لوجستياً مثالياً. في العقد الأخير، انتقل المفهوم من الصواريخ الثقيلة إلى أنظمة الأسراب المسيرة، حيث يمكن لحاوية واحدة أن تطلق عشرات الطائرات الانتحارية الصغيرة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي. هذا التطور نقل الثقل الاستراتيجي من “القطع البحرية الضخمة” إلى “الوحدات اللوجستية الصغيرة”، مما خلق نوعاً من الردع غير المتماثل يسمح للدول الصغرى بتهديد أساطيل الدول الكبرى بتكلفة زهيدة.

المبادئ القتالية: التمويه بالكثرة والانتشار الجغرافي

تعتمد فعالية الحاويات المعسكرة على مبدأين عسكريين هما الإخفاء والانتشار. فبدلاً من الاعتماد على تكنولوجيا الشبحية المكلفة لتقليل البصمة الرادارية، تعتمد هذه الاستراتيجية على التلاشي وسط ملايين الحاويات المشابهة. هذا الانتشار الجغرافي الواسع يحول العالم بأكمله إلى منصة إطلاق محتملة، حيث تصبح مراقبة كل حاوية أمراً مستحيلاً تقنياً واستخباراتياً. علاوة على ذلك، تمنح هذه الوسيلة الجيوش قدرة على “التموضع المسبق” للسلاح بالقرب من أهداف العدو تحت غطاء التجارة، مما يقلص زمن الاستجابة المطلوبة لشن هجوم مفاجئ ويجعل مفهوم “الحدود الآمنة” ضبابياً وغير واقعي.

الأبعاد القانونية والأخلاقية: انتهاك مبدأ التمييز والغدر

تطرح عسكرة الحاويات إشكالات حادة في القانون الدولي الإنساني، وتحديداً فيما يتعلق بـ مبدأ التمييز بين المحاربين والمدنيين. إن استخدام الأعيان المدنية (مثل الحاويات التجارية) لإخفاء هجمات عسكرية يُصنف قانونياً تحت بند الغدر (Perfidy)، وهو ما تحرمه اتفاقيات جنيف. تكمن الخطورة الأخلاقية في أن هذا النهج “يسمم” الحماية القانونية الممنوحة للمدنيين؛ فبمجرد أن يبدأ استخدام الحاويات كسلاح، تصبح كل سفينة شحن وكل عامل في ميناء هدفاً محتملاً للعدو خشية أن يكونوا غطاءً لسلاح مستتر. هذا التآكل في الحصانة المدنية يهدد بانهيار أعراف الحرب وتحول الصراعات إلى حروب شاملة لا تفرق بين جندي وعامل شحن.

التداعيات الاقتصادية: تهديد سلاسل الإمداد العالمية

بعيداً عن الميدان العسكري، تمثل عسكرة الحاويات تهديداً وجودياً للاقتصاد العالمي الذي يقوم على كفاءة وسرعة اللوجستيات. إذا ساد الشك في أن الحاويات قد تحمل صواريخ أو مسيرات، ستضطر الموانئ الدولية إلى اعتماد إجراءات تفتيش أمنية معقدة وشاملة، مما سيؤدي إلى تباطؤ حركة التجارة بنسب كارثية. هذا التباطؤ سيتسبب في ارتفاع فلكي في تكاليف الشحن والتأمين البحري، مما يؤثر مباشرة على أمن الطاقة والغذاء. إن “تسميم” نظام الحاويات يعني فعلياً ضرب مفهوم العولمة في مقتل، حيث تصبح التكلفة الأمنية للحركة التجارية أعلى من فوائدها الاقتصادية.

التطورات المستقبلية: الحاويات الذكية والذكاء الاصطناعي

يتجه المستقبل نحو دمج الذكاء الاصطناعي لخلق حاويات ذاتية التشغيل. هذه الوحدات لن تحتاج لأمر إطلاق بشري مباشر، بل قد تعمل كخلايا نائمة مبرمجة للاستجابة لإشارات محددة أو تغيرات في المحيط الراداري للعدو. كما يُتوقع تطوير حاويات قادرة على “التخلص الذاتي” من آثار السلاح بعد الإطلاق للعودة لمظهرها المدني فوراً، مما يجعل تحديد مصدر الهجوم مستحيلاً. هذا النوع من الحروب القائمة على الأنظمة المستقلة سيجعل من الصعب صياغة اتفاقيات دولية للحد من التسلح، لأن السلاح لم يعد قطعة معدنية واضحة، بل أصبح “كوداً برمجياً” مخبأً داخل صندوق تجاري يجوب البحار.

الأسئلة الشائعة حول عسكرة حاويات الشحن (SEO FAQ)

ما هي مخاطر عسكرة الحاويات على الموانئ المدنية؟ تكمن المخاطر في تحويل الموانئ إلى أهداف عسكرية استراتيجية، مما يعرض البنية التحتية والمدنيين لضربات استباقية، بالإضافة إلى شلل حركة التجارة نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة.

هل يمكن للدفاعات الجوية رصد الصواريخ المنطلقة من الحاويات؟ الرصد ممكن بعد الإطلاق، لكن التحدي يكمن في “ما قبل الإطلاق”؛ حيث لا تمنح هذه الأنظمة أي إنذار مبكر لأنها تفتقر إلى البصمة العسكرية التقليدية (مثل حشد القوات أو تحريك البطاريات).

كيف يؤثر هذا المفهوم على قانون البحار الدولي؟ يؤدي إلى تقويض “حق المرور البريء” للسفن التجارية، حيث قد تلجأ الدول الساحلية لتفتيش السفن قسرياً في المياه الدولية بذريعة الأمن القومي، مما يسبب نزاعات ديبلوماسية وقانونية معقدة.

عسكرة سفن الشحن: الصين تحول السفن التجارية إلى منصات عسكرية متكاملة

كشفت صور أقمار صناعية وتحليلات استخبارات المصادر المفتوحة عن تطور عسكري لافت في الترسانة البحرية الصينية، يتمثل في عسكرة سفن الشحن بتحويل سفينة شحن متوسطة إلى منصة قتالية متعددة الأدوار قادرة على إطلاق طائرات مسيّرة قتالية عبر منجنيق كهرومغناطيسي متنقل (EMALS)، في خطوة تعكس تحوّلاً أعمق في طبيعة الصراع البحري والحروب الحديثة.

يأتي هذا التطور في سياق أوسع ناقشناه سابقًا في ملف عسكرة حاويات الشحن، حيث لم تعد الحاوية أو السفينة التجارية مجرد وسيلة نقل مدنية، بل أصبحت عنصرًا قابلًا للتحول السريع إلى منصة قتالية. ما تكشفه الحالة الصينية اليوم هو الانتقال من عسكرة الحاوية كوحدة مستقلة، إلى عسكرة السفينة التجارية بالكامل كنظام قتالي متكامل، يجمع بين الإطلاق، والاستشعار، والدفاع الذاتي.

وبحسب تقارير نشرتها مواقع عسكرية متخصصة، جرى رصد السفينة داخل حوض بناء السفن Hudong-Zhonghua في شنغهاي، وهو نفس الحوض الذي ترسو فيه حاليًا سفينة الإنزال البرمائي الصينية الجديدة Type 076 Sichuan، المزودة بمنجنيق كهرومغناطيسي مدمج لإطلاق المسيّرات والطائرات المستقبلية. هذا التزامن المكاني يعزز فرضية أن ما يجري ليس تجربة معزولة، بل جزء من مسار تطوير متكامل داخل البحرية الصينية.

إعادة تهيئة سريعة… ورسائل أبعد من التقنية

كانت السفينة نفسها قد ظهرت سابقًا وقد جرى تحويلها خلال فترة قصيرة إلى ما يشبه “سفينة ترسانة”، محملة بنحو 60 خلية إطلاق صاروخي ضمن حاويات معيارية، إلى جانب رادارات متطورة ومنظومات دفاع قريب مثل المدفع Type 1130 عيار 30 ملم. إلا أن التعديل الأحدث شهد تقليص عدد خلايا الإطلاق إلى 24 فقط، وإزالة بعض حاويات الإجراءات المضادة، لإفساح المجال أمام تركيب منظومة منجنيق كهرومغناطيسي متنقلة تتكون من مركبات برية متصلة ببعضها فوق سطح السفينة.

المنجنيق لا يُعد جزءًا أصيلاً من تصميم السفينة، بل هو نظام معياري يمكن تفكيكه وإعادة تركيبه، ما يمنح مرونة غير مسبوقة لإطلاق طائرات مسيّرة ثابتة الجناح من سفن لم تُصمم أصلًا كحاملات طائرات. وقد أظهرت الصور وجود مسيّرات شبحية ذات أجنحة مائلة موضوعة في وضعية “جاهزة للإطلاق”، ما يشير إلى أن السيناريو يتجاوز مجرد عرض نظري.

تحديات تشغيلية وحدود غير محسومة

رغم جاذبية المفهوم، تبرز تساؤلات جوهرية حول جدواه العملياتية. فالعمل على سطح سفينة شحن يتأثر بحركة الأمواج والرياح، ما يفرض تحديات تتعلق بالاستقرار والدقة أثناء الإطلاق. كما يتطلب تشغيل منجنيق كهرومغناطيسي قدرة كهربائية كبيرة، إضافة إلى تصميم هيكلي للمسيّرة قادر على تحمل تسارع عنيف خلال مسافة قصيرة.

الأهم من ذلك، أن السفينة لا تُظهر أي تجهيزات لاستعادة المسيّرات بعد تنفيذ مهامها. ما يرجح أن الحديث يدور عن منصة إطلاق فقط، ضمن مفهوم عملياتي يعتمد على مهام أحادية الاتجاه أو استعادة لاحقة بوسائل أخرى، وهو ما يقلل من الاستدامة لكنه ينسجم مع منطق الحروب عالية الكثافة.

من حالة صينية إلى ظاهرة عالمية

ما يجعل هذا التطور بالغ الخطورة هو أنه لا يأتي في فراغ. فخلال السنوات الأخيرة، بدأت عدة دول كبرى – بينها الصين وروسيا وإيران – بتطوير أنظمة تسليح مخفية داخل حاويات شحن مدنية قياسية. هذه الحاويات، التي تمثل العمود الفقري للتجارة العالمية، أصبحت قادرة على إخفاء صواريخ كروز، صواريخ بالستية قصيرة المدى، أو أسراب من الطائرات المسيّرة، دون أي مظهر خارجي يثير الشك.

تكمن الخطورة هنا في وسيلة الإطلاق بقدر ما تكمن في نوع السلاح. إذ يمكن وضع الحاوية على سفينة شحن تجارية، أو قطار، أو شاحنة مدنية، لتتحول في لحظة واحدة إلى منصة إطلاق قادرة على تنفيذ ضربات بحرية أو برية مفاجئة، دون إنذار أو إشارات تحذير واضحة.

دروس من الحرب الروسية–الأوكرانية

أبرزت الحرب في أوكرانيا البعدeكل مثالًا عمليًا على هذا التحول. فقد نجحت كييف في تنفيذ عمليات باستخدام طائرات مسيّرة انتحارية جرى تهريبها داخل شاحنات مدنية إلى عمق الأراضي الروسية. الشاحنات بدت وكأنها تنقل بضائع عادية، لكنها في الواقع كانت منصات إطلاق متنقلة، ما شكّل صدمة أمنية وأثبت أن ساحة المعركة لم تعد تبدأ من خطوط الجبهة، بل من الطرق السريعة والموانئ والمستودعات.

هذا النموذج يتقاطع مباشرة مع المفهوم الصيني لعسكرة سفن الشحن والحاويات، حيث يصبح التمييز بين المدني والعسكري أكثر ضبابية من أي وقت مضى.

تداعيات استراتيجية خطيرة

عسكرة الوسائل المدنية تحمل تداعيات تتجاوز الميدان العسكري. فالسفن التجارية ليست مجرد ناقلات بضائع، بل شرايين الاقتصاد العالمي. ومع تصاعد الشكوك، قد يؤدي الاشتباه بأي سفينة تجارية إلى استهدافها، ما يرفع مخاطر الخطأ والتصعيد غير المحسوب، ويهدد استقرار التجارة والطاقة والغذاء عالميًا.

في هذا السياق، لا يمكن النظر إلى السفينة الصينية المعدلة كحالة منفصلة، بل كجزء من تحول استراتيجي أوسع يعيد تعريف طبيعة الحرب الحديثة، حيث تختفي الحدود بين المدني والعسكري، وتتحول أدوات التجارة إلى أدوات صراع.

الطائرة المسيرة الصينية Jiutian تجري اول اختبار طيران

أعلنت وسائل إعلام صينية مؤخرا عن إتمام أول رحلة تجريبية لنظام الطائرة المسيرة الصينية Jiutian، والتي توصف بأنها أكبر طائرة غير مأهولة في العالم، في خطوة تعكس تسارع بكين في تطوير قدرات الحرب الجوية غير المأهولة. وجرت الرحلة في مقاطعة شنشي، بحسب ما نقلته مصادر إعلامية صينية، وسط تكتم رسمي على معظم التفاصيل التقنية، ما فتح الباب أمام تقديرات وتحليلات تستند إلى مصادر مفتوحة ومعارض سابقة للصناعات الجوية.

وبحسب تقارير متطابقة نشرتها منصات متخصصة في الشؤون العسكرية، فإن Jiutian صُممت لتعمل كطائرة أم على ارتفاعات عالية، قادرة على حمل وإطلاق أسراب ضخمة من الطائرات المسيّرة الصغيرة في وقت واحد، وهو مفهوم عملياتي يُعد تطورًا نوعيًا في أساليب القتال الجوي الحديثة، خصوصًا في مسارح العمليات عالية الكثافة مثل منطقة المحيطين الهندي والهادئ.

قدرات الطائرة المسيرة الصينية Jiutian

رغم محدودية المعلومات الرسمية، تشير بيانات عُرضت سابقًا خلال معرض تشوهاي الجوي 2024، إضافة إلى تحليلات استخبارات المصادر المفتوحة، إلى أن وزن الإقلاع الأقصى لطائرة Jiutian يتجاوز 20 طنًا، مع حمولة قتالية تصل إلى 6 أطنان. وتضم الطائرة ثماني نقاط تعليق خارجية قادرة على حمل صواريخ جو–جو، وصواريخ مضادة للسفن، وقنابل موجهة بدقة، ما يمنحها مرونة كبيرة في المهام القتالية.

غير أن السمة الأكثر تميزًا في هذه المنصة تتمثل في حجرتها الداخلية المخصصة لإطلاق أكثر من 100 طائرة مسيّرة صغيرة، تشمل ذخائر جوالة وطائرات انتحارية قادرة على تنفيذ ضربات مستقلة ضد أهداف برية وبحرية. كما أن الطائرة مزودة بمحرك نفاث ظهري، مع جناحين يتجاوز باعهما 35 مترًا، ما يضعها في حجم قريب من طائرات الركاب ذات الممر الواحد.

مفهوم حاملة المسيرات وتكتيكات الإغراق

على عكس الطائرات الشبحية المصممة لاختراق العمق الدفاعي للخصم، لا يبدو أن Jiutian تعتمد على التخفي بقدر ما تعتمد على العمل من خارج مناطق الاشتباك، حيث تعمل كمنصة إطلاق بعيدة المدى. ومن هذا الموقع الآمن نسبيًا، تستطيع الطائرة إيصال وإطلاق أسراب من المسيّرات الذكية التي تعمل بتقنيات الذكاء الاصطناعي والتنسيق الجماعي لمسافة كافية.

ويُعد مفهوم الهجمات السربية (Swarm Attack) من أكثر التطورات إرباكًا لمنظومات الدفاع الجوي التقليدية. إذ تعمل الطائرات الصغيرة بشكل جماعي، وتتبادل البيانات لحظيًا، وتعيد توزيع الأدوار والمسارات تلقائيًا، ما يجعل اعتراضها أكثر تعقيدًا مقارنة بالطائرات المسيّرة التقليدية التي تعمل بشكل فردي وتحت تحكم مباشر.

عمليًا، يمكن استخدام أسراب المسيرات التي تنطلق من طائرة Jiutian لتنفيذ مهام قمع الدفاعات الجوية، والتشويش الإلكتروني، وضرب مراكز القيادة والسيطرة، وإغراق شبكات الرادار بأهداف متعددة منخفضة التكلفة، في وقت واحد ومن اتجاهات مختلفة.

تداعيات استراتيجية على الولايات المتحدة وحلفائها

يمثل هذا التطور تحديًا مباشرًا للولايات المتحدة وحلفائها في منطقة الإندو-باسيفيك. ففي سيناريو نزاع محتمل حول تايوان، يمكن استخدام طائرة Jiutian لإطلاق موجات كثيفة من الذخائر الجوالة ضد القواعد الجوية ومنصات الصواريخ والدفاعات الجوية التايوانية، في ضربة افتتاحية تهدف إلى إنهاك الدفاعات وفتح المجال أمام هجمات لاحقة مأهولة وغير مأهولة.

كما أن القواعد الأمريكية المتقدمة في غوام وأوكيناوا والفلبين قد تدخل ضمن نطاق التأثير العملياتي لهذه المنصة، حيث يمكن استهدافها بأسراب من المسيّرات منخفضة الكلفة وعالية العدد، بما يتجاوز القدرة الاستيعابية لمنظومات دفاع متقدمة مثل “إيجيس” و”ثاد”، المصممة أساسًا للتعامل مع عدد محدود من الأهداف عالية القيمة.

وفي بحر الصين الجنوبي، قد تمنح طائرة Jiutian الصين قدرة إضافية على فرض السيطرة الجوية فوق المناطق المتنازع عليها، وتهديد طائرات الاستطلاع والسفن الدورية وحتى مجموعات حاملات الطائرات، عبر تكتيكات الإغراق التي تعقّد عقيدة الدفاع البحري الحالية.

صناعة مزدوجة المسار ومشهد عسكري متغير

يأتي هذا التقدم مدعومًا بقاعدة صناعية صينية واسعة ذات استخدام مزدوج، استفادت من الخبرات المدنية في مجال الطائرات المسيّرة والذكاء الاصطناعي. ورغم ما تشهده المؤسسة العسكرية الصينية من اضطرابات داخلية وحملات تطهير طالت قيادات بارزة، تشير التقديرات إلى أن برامج الأنظمة غير المأهولة، مثل Jiutian، تتطور بوتيرة أسرع وأقل تأثرًا بالبنية البيروقراطية التقليدية.

لا تزال الطائرة في مرحلة الاختبارات، وقد يستغرق إدخالها للخدمة الفعلية سنوات. إلا أن دلالاتها الاستراتيجية تتجاوز كونها مجرد منصة جديدة. فهي تشير إلى تحول صيني واضح نحو حرب الاستنزاف الذكية القائمة على الكثرة والمرونة والأنظمة القابلة للاستهلاك، بدل الاعتماد الحصري على المنصات الباهظة الثمن.

وبالنسبة للولايات المتحدة وحلفائها، فإن الرسالة باتت واضحة: معركة المستقبل لن تُحسم بالتخفي أو السرعة وحدهما، بل بالقدرة على مواجهة أسراب ذاتية التشغيل تعمل على نطاق واسع. وفي هذا السياق، تبدو الطائرة المسيرة الصينية Jiutian أكثر من مجرد طائرة مسيّرة؛ إنها تحذير استراتيجي مبكر بأن عصر حرب الأسراب قد بدأ بالفعل.

القوات الجوية الهندية تعزز قدراتها بصاروخ كروز شبحي هندي جديد خفيف الوزن

عرضت شركة JSR Dynamics الهندية، خلال تقديم مخصص لقائد القوات الجوية الهندية، صاروخ كروز شبحي هندي جديد خفيف الوزن يعرف باسم LRP2GM، في خطوة تعكس تسارع جهود الهند لتعزيز قدراتها المحلية في مجال الضربات الدقيقة بعيدة المدى، خاصة في البيئات عالية المخاطر. ويأتي هذا العرض في سياق أوسع من سعي نيودلهي لتقليص الاعتماد على الموردين الخارجيين، وتوسيع قاعدة الصناعات الدفاعية الوطنية.

وبحسب ما ورد على الموقع الرسمي للشركة، فإن السلاح الجديد يوصف بأنه ذخيرة موجهة دقيقة طويلة المدى تعمل بالدفع (Long Range Powered Precision Guided Munition)، وينتمي إلى فئة صواريخ كروز خفيفة الوزن بكتلة تقارب 400 كيلوغرام. وقد جرى تقديمه كنظام قابل للإطلاق من البر أو من السفن، ما يمنحه مرونة تشغيلية تتماشى مع متطلبات العمليات الجوية الحديثة.

 

الخصائص التقنية ومفهوم التشغيل

يعتمد صاروخ LRP2GM على محرك نفاث صغير يوفر دفع مستمر، ما يسمح بزمن تحليق ممتد ودقة عالية في إصابة الأهداف. وتشير بيانات الشركة إلى أن وزن الصاروخ يتراوح بين 360 و 390 كيلوغرام، مع طول لا يتجاوز 4.5 أمتار وباع جناحين يصل إلى 2.2 متر، وهي أبعاد تضعه ضمن فئة الصواريخ القابلة للتكامل مع منصات متعددة دون متطلبات هيكلية معقدة.

أما على مستوى الأداء، فتذكر شركة JSR Dynamics أن الصاروخ تبلغ سرعته القصوى نحو 1000 كيلومتر في الساعة، ويصل سقف تحليقه إلى 10 كيلومترات، في حين لم يُعلن رسميًا عن مداه الأقصى، مكتفية بالإشارة إلى زمن بقاء في الجو يزيد عن 45 دقيقة، وهو مؤشر مهم على القدرة على تنفيذ مسارات طيران ملتوية أو طويلة لتفادي الدفاعات الجوية.

صورة لصاروخ LRP2GM الشبحي الهندي أثناء زيارة قائد القوات الجوية الهندية، المارشال الجوي Amar Preet Singh الى شركة jsr dynamics، في 17 أكتوبر 2025.
صورة لصاروخ LRP2GM الشبحي الهندي أثناء زيارة قائد القوات الجوية الهندية، المارشال الجوي Amar Preet Singh الى شركة jsr dynamics، في 17 أكتوبر 2025.

يوفر الصاروخ خيارات متعددة للتوجيه النهائي، إذ يمكن تزويده إما باحث كهرضوئي/حراري (EO/IR) أو باحث سلبي يعتمد على التقاط الإشعاعات المعادية، وذلك وفق طبيعة المهمة والهدف. وتؤكد الشركة أن الصاروخ يحقق هامش خطأ دائري يقل عن خمسة أمتار عند استخدام التوجيه النهائي، وهو مستوى دقة يضعه ضمن فئة الأسلحة الدقيقة المخصصة لضرب الأهداف عالية القيمة.

وفي مرحلة الطيران الوسطى، يعتمد الصاروخ على نظام ملاحة بالقصور الذاتي مدمج مع نظام ملاحة فضائي متعدد الكوكبات (GNSS) مقاوم للتشويش، في إشارة واضحة إلى تصميمه للعمل في بيئات تشهد حربًا إلكترونية مكثفة، وهي سمة باتت أساسية في النزاعات الحديثة.

من الناحية الشكلية، يعكس التصميم الخارجي للصاروخ توجهًا واضحًا نحو خفض البصمة الرادارية، حيث يتميز بهيكل انسيابي وأسطح تقلل من احتمالات الكشف المبكر. ورغم أن الشركة لم تكشف عن أرقام محددة تتعلق بالمقطع الراداري أو المواد المستخدمة، فإن تسويق صاروخ LRP2GM كنظام شبحّي يشير إلى تركيز على تجاوز الدفاعات الجوية المعادية، لا سيما في البيئات البحرية المحمية بأنظمة رادار متعددة الطبقات.

الاهتمام بتطوير صاروخ كروز شبحي هندي

يأتي اهتمام القوات الجوية الهندية بهذا الصاروخ في إطار مساعيها لتحديث ترسانتها الهجومية، وسط بيئة إقليمية تتسم بتصاعد التنافس الجوي، خاصة مع خصميها سواء الصين أو باكستان. وتمتلك القوات الجوية الهندية حاليًا مزيجًا معقدًا من الصواريخ ذات الأصول الروسية والغربية والمحلية، إلا أن الاتجاه العام يميل بوضوح نحو حلول محلية مرنة قابلة للتكامل عبر منصات مختلفة.

وتشير مصادر مطلعة على البرنامج إلى أن الهند قد تتجه مستقبلًا إلى دمج صواريخ LRP2GM على منصات جوية وبرية وبحرية، بما في ذلك الطائرات العاملة من القواعد البرية أو حاملات الطائرات، رغم عدم صدور إعلان رسمي حتى الآن بشأن الجداول الزمنية أو المنصات المعتمدة.

قراءة تحليلية أوسع

من منظور عسكري، يعكس مشروع LRP2GM تحولًا نوعيًا في التفكير العملياتي الهندي، حيث يجمع بين المدى، والدقة، والمرونة، والبصمة المنخفضة في منظومة واحدة. هذا النوع من الصواريخ لا يُصمم فقط لضرب الأهداف الثابتة، بل يفتح المجال أيضًا لمهام أكثر تعقيدًا، مثل ضرب مراكز القيادة، أو أنظمة الدفاع الجوي، أو الأهداف البحرية عالية القيمة في المراحل الأولى من النزاع.

كما أن تركيز الهند على هذا النوع من الذخائر يشير إلى إدراك متزايد لأهمية الضربات الدقيقة بعيدة المدى منخفضة التكلفة نسبيًا مقارنة بالصواريخ الثقيلة أو المنصات المأهولة، وهو اتجاه عالمي يتقاطع مع تجارب النزاعات الحديثة في أوكرانيا والشرق الأوسط.

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى صاروخ كروز شبحي هندي مثل LRP2GM بوصفه مجرد إضافة تقنية جديدة، بل كجزء من تحول أوسع في العقيدة العسكرية الهندية نحو الاعتماد على أنظمة دقيقة منخفضة البصمة وقابلة للتشغيل عبر منصات متعددة. هذا التوجه يمنح البحرية الهندية مرونة أكبر في التخطيط والتنفيذ، ويعزز قدرتها على العمل في بيئات عالية التهديد، كما يبعث برسالة واضحة عن نضوج الصناعات الدفاعية الهندية وقدرتها على مواكبة الاتجاهات العالمية في مجال صواريخ الكروز الشبحية والضربات بعيدة المدى.

ترسانة الإسكندرية تبدأ بناء زوارق PV43-M لصالح البحرية المصرية

في تأكيد رسمي على انطلاق أحد أبرز برامج بناء الزوارق البحرية في مصر، أعلنت شركة “NVL Egypt” المصرية بدء الإنتاج الفعلي لمشروع زوارق PV43-M لصالح القوات البحرية المصرية، وذلك عبر بيان نُشر على الحساب الرسمي للشركة على منصة LinkedIn. وأوضحت الشركة أن المشروع يُنفذ نيابة عن جمهورية مصر العربية، وبالتعاون مع ترسانة الإسكندرية، ويشمل بناء عشر قطع بحرية جديدة مخصصة للبحرية المصرية، في خطوة وصفتها بأنها محطة محورية لتعزيز القدرات البحرية ودعم صناعة بناء السفن محليًا من خلال نقل التكنولوجيا وتوظيف الخبرات الوطنية.

 

يمثل مشروع PV43-M امتدادًا لمسار واضح انتهجته القاهرة خلال السنوات الأخيرة، يقوم على تعظيم التصنيع المحلي في المجال البحري بالتوازي مع الشراكات الدولية. فقد لعبت ترسانة الإسكندرية دورًا محوريًا في عدد من البرامج الكبرى، أبرزها تصنيع ثلاث كورفيتات من فئة Gowind بالتعاون مع “Naval Group” الفرنسية، وتسليمها جميعًا للبحرية المصرية، إضافة إلى مشاركتها في برنامج الفرقاطات MEKO A200، حيث يجري استكمال تجهيز الفرقاطة الرابعة داخل مصر بعد بناء ثلاث وحدات في ألمانيا لدى شركة “ThyssenKrupp Marine Systems”.

ضمن هذا السياق، جاء التعاون مع مجموعة “Naval Vessels Lürssen (NVL)” الألمانية، التي تمتلك خبرة طويلة في تصميم وبناء زوارق الدورية والسفن القتالية الخفيفة، ليشكل حلقة جديدة في سلسلة برامج تستهدف رفع الجاهزية العملياتية للقوات البحرية المصرية، وتوسيع قاعدة المعرفة الصناعية الوطنية.

تصميم ومواصفات زوارق PV43-M المصرية

تعتمد زوارق PV-43 على تصميم مستوحى من زورق OOB-31 Omiš-class المستخدم لدى البحرية الكرواتية، مع إدخال تعديلات خاصة بطلب مصري. ويبلغ طول الزورق نحو 43 مترًا، بعرض أقصى يصل إلى 8 أمتار، ويعمل بمحركي ديزل يقودان عمودين للدفع، ما يمنحه سرعة قصوى تبلغ 27 عقدة عند الحمولة الكاملة. كما يصل مداه العملياتي إلى نحو 1100 ميل بحري عند سرعة إبحار اقتصادية تقدر بـ15 عقدة، وهو مدى مناسب لتنفيذ دوريات طويلة نسبيًا داخل المياه الإقليمية.

أما على صعيد الأنظمة الإلكترونية، فتتولى شركة Thales تزويد الزوارق بمعظم التجهيزات المتقدمة، بما في ذلك الرادار البحري، ومنظومة الحرب الإلكترونية، ونظام ربط البيانات Link-Y، إضافة إلى نظام إدارة القتال TACTICOS، ما يتيح لهذه الوحدات العمل ضمن شبكة قيادة وسيطرة متكاملة مع باقي قطع الأسطول البحري المصري.

نموذج لزوارق PV43-M التابع للقوات البحرية المصرية
نموذج لزوارق PV43-M التابع للقوات البحرية المصرية

ورغم تصنيفها كزوارق دورية، فإن النسخة المصرية من PV-43 تتمتع بتسليح يتجاوز المهام التقليدية. إذ جرى تزويدها بمدفع Marlin عيار 30 ملم يتم التحكم فيه عن بعد من إنتاج شركة “Leonardo” الإيطالية، إضافة إلى برجين عيار 12.7 ملم يتم التحكم فيهما عن بعد، مثبتين على جانبي السفينة قرب الجسر. التي يمكن أن تحصل عليها من شركة “العربية العالمية للبصريات (AIO)” المصرية، التي كشفت خلال معرض ايديكس 2025 عن نظام من هذا الفئة بالتعاون مع شركة “Escribano” الإسبانية.

الأبرز في هذا السياق هو تجهيز الزوارق بقاذفين مزدوجين لصواريخ مضادة للسفن من طراز MBDA Marte Mk2/N، ما يمنحها قدرة هجومية حقيقية ضد الأهداف السطحية، ويجعلها قادرة على دعم العمليات العسكرية، وليس فقط مهام المراقبة والشرطة البحرية.

استدعت إضافة هذا التسليح الصاروخي إجراء تعديلات جوهرية على التصميم الأصلي. فقد تم إلغاء الممر الخلفي المخصص لإطلاق زورق مطاطي كبير عبر منزلق خلفي، واستغلال المساحة لتركيب أنظمة التسليح. في المقابل، جرى الاحتفاظ بزورق مطاطي أصغر مثبت على الجانب الأيمن، يُطلق بواسطة رافعة، وقادر على نقل ما يصل إلى خمسة عناصر من القوات الخاصة، ما يعكس تركيزًا على عمليات التدخل السريع والمهام الخاصة.

قراءة تحليلية

من منظور استراتيجي، يعكس مشروع PV43-M توجهًا مصريًا واضحًا نحو سد الفجوة بين زوارق الدورية الخفيفة والسفن القتالية الثقيلة، عبر منصات متوسطة الحجم، متعددة المهام، وقابلة للتصنيع محليًا. فهذه الزوارق مناسبة للتعامل مع طيف واسع من التهديدات، بدءًا من التهريب والهجرة غير الشرعية، مرورًا بحماية منشآت الغاز والبنية التحتية البحرية، وصولًا إلى المشاركة في سيناريوهات قتالية محدودة داخل نطاق الساحل.

كما أن إعلان NVL Egypt عن بدء الإنتاج يسلط الضوء على البعد الصناعي للمشروع، إذ لا يقتصر على تزويد البحرية المصرية بوحدات جديدة، بل يسهم في نقل التكنولوجيا وبناء كوادر محلية قادرة على تنفيذ برامج أكثر تعقيدًا مستقبلًا. ووفقًا للجدول الزمني المعلن، من المنتظر تسليم أول زورق في عام 2026، على أن تُسلم جميع الوحدات العشر خلال خمس سنوات من تاريخ توقيع العقد.

في المحصلة، لا يمثل مشروع زوارق PV43-M مجرد إضافة عددية للأسطول المصري، بل خطوة نوعية تعزز مكانة مصر كقوة بحرية إقليمية، تجمع بين التحديث العملياتي، والتسليح المتقدم، والتصنيع المحلي، في وقت تتزايد فيه أهمية الأمن البحري ضمن معادلات القوة في شرق المتوسط والبحر الأحمر.

روسيا تقوم بتسليح مسيرات شاهد بصواريخ R-60 لاسقاط الطائرات التي تحاول اعتراضها

في تطور ميداني لافت يعكس مساعي روسيا المستمرة لتكييف أدواتها القتالية في الحرب الأوكرانية، أفادت مصادر تحليلية ودفاعية أوكرانية بأن القوات الروسية بدأت بتسليح مسيرات شاهد بصواريخ R-60. ويُعد هذا الاستخدام غير التقليدي لصاروخ صُمم أساسًا للاشتباك الجوي بين الطائرات المأهولة مؤشرًا على محاولة روسية لتغيير قواعد المواجهة في طبقة الدفاع الجوي المنخفض، وخلق معادلة تهديد جديدة أمام الطيران الأوكراني المخصص لاعتراض المسيّرات.

بحسب ما نشره عدد من محللي الدفاع الجوي الأوكرانيين بالتزامن، مدعومًا بصور ميدانية، تم رصد وإسقاط طائرة Geran-2 كانت تحمل صاروخًا من طراز R-60 مثبتًا على بدنها. وأكد الخبير الأوكراني المعروف سيرهي فلاش بيسكريستنوڤ أن إحدى هذه المسيّرات أُسقطت بالفعل أثناء مهمة قتالية، موضحًا أن الغاية من هذا التعديل هي استهداف الطيران الأوكراني منخفض الارتفاع، لا سيما المروحيات والطائرات الخفيفة التي تُستخدم لاعتراض المسيّرات الروسية بعيدة المدى قبل وصولها إلى أهدافها.

وتكتسب هذه التطورات أهمية إضافية كونها تمثل، بحسب المصادر الأوكرانية، أول توثيق قتالي فعلي داخل الأراضي الأوكرانية لاستخدام صاروخ R-60 محمول على طائرة شاهد/Geran-2، وليس مجرد رصد أو اختبار تجريبي. هذا التحول ينقل المسألة من إطار التطوير المحتمل إلى مستوى التطبيق العملياتي المباشر في ساحة المعركة، بما يحمله ذلك من دلالات على نوايا موسكو وقدرتها على تكييف منظومات قديمة مع أدوار جديدة.

وقد عزز هذا التقييم ظهور صور لحطام المسيّرة التي تم إسقاطها، نُشرت عبر قناة On communication with Serhii Flash على تطبيق تيليغرام، حيث أظهرت الصور بشكل واضح منصة إطلاق الصاروخ وبقايا الذخيرة نفسها، إضافة إلى آثار نقاط التثبيت على هيكل الطائرة المسيّرة. ويُعد هذا التوثيق المادي تطورًا نوعيًا، إذ لا يكتفي بالإشارة إلى وجود السلاح، بل يؤكد استخدامه الفعلي في مهمة قتالية.

كما كشفت الصور الميدانية من موقع التحطم عن العثور على عناصر مميزة من الصاروخ، شملت الرأس الحربي الحراري، والزعانف، وأجزاء من جسم الصاروخ تحمل علامات تعريف، إلى جانب شظايا مرتبطة بآلية التثبيت على الدرون. وتؤكد هذه المعطيات أن الحديث لا يدور عن نموذج شكلي أو وسيلة ردع نفسية، بل عن ذخيرة جو-جو حقيقية مكتملة جرى دمجها فعليًا في منصة غير مأهولة واستخدامها ميدانيًا.

الخلفية التقنية لصاروخ R-60

صاروخ R-60 هو سلاح سوفيتي قصير المدى يعود تصميمه إلى ستينيات القرن الماضي، وقد طُوّر أساسًا للاشتباك مع الطائرات والمروحيات في القتال الجوي القريب. يبلغ مداه الأقصى نظريًا نحو 7 كيلومترات، ويرتفع إلى قرابة 8 كيلومترات في النسخة المطوّرة R-60M، إلا أن فعاليته الفعلية عند الارتفاعات المنخفضة — وهي البيئة المرجحة لهذا الاستخدام — تنخفض إلى نحو 1.5 كيلومتر فقط. ويزن الصاروخ حوالي 44 كيلوغرامًا، منها رأس حربي يراوح وزنه بين 3 و 3.5 كيلوغرام، ما يجعله خفيفًا نسبيًا وقابلًا للدمج مع منصات محدودة الحمولة مثل المسيّرات.

ويعتمد الصاروخ على باحث حراري بالأشعة تحت الحمراء، ما يعني أنه لا يحتاج إلى توجيه راداري، لكنه في المقابل يتطلب من المشغّل توجيه المنصة بدقة نحو الهدف والحفاظ عليه داخل مجال رؤية الباحث حتى تحقيق القفل الحراري.

صاروخ R-60M تحت جناح طائرة MiG-31D3
صاروخ R-60M تحت جناح طائرة MiG-31D3

بعد تسليح مسيرات شاهد بصواريخ R-60؛ كيف يعمل هذا التكوين عمليًا؟

لدمج صاروخ R-60 على Geran-2، استخدمت القوات الروسية حاضن تعليق قياسي مع ربطه بنظام الطاقة والتحكم في الإطلاق الخاص بالمسيّرة. وبسبب طبيعة التوجيه الحراري، يتعين على مشغّل الدرون توجيه الطائرة بدقة نحو الهدف الجوي المحتمل، والحفاظ على استقراره داخل مخروط رؤية الباحث حتى يتمكن الصاروخ من الإطباق عليه.

هذا الأسلوب يفرض متطلبات تشغيلية غير مألوفة لمنصة صُممت أساسًا كذخيرة جوالة، أبرزها الحاجة إلى قناة اتصال مستقرة وعالية الاعتمادية. ولهذا يرجّح محللون أن النسخ المعدّلة من Geran-2 قد تكون مزودة بأنظمة اتصال متقدمة، ربما تعتمد على شبكات ترابطية، ما يحولها عمليًا إلى منصات أقرب إلى مفهوم FPV بعيد المدى بدل كونها مسيّرات انتحارية تقليدية.

التهديد الحقيقي وتقييم الفعالية

من الناحية العملياتية، يشكّل هذا التكوين تهديدًا محدود النطاق لكنه حساس التأثير. فهو لا يغيّر ميزان القوى الجوي بصورة شاملة، لكنه يستهدف حلقة محددة في منظومة الدفاع الأوكرانية، تتمثل في المروحيات والطائرات الخفيفة التي تعمل على ارتفاعات منخفضة وبسرعات محدودة. مجرد احتمال وجود مسيّرة معادية مسلحة بصاروخ جو-جو قد يفرض على الطيارين الأوكرانيين زيادة مسافة الاشتباك أو تعديل أساليب الاعتراض، ما يقلل من فعالية هذا النوع من الدفاع.

في المقابل، يحمل هذا المفهوم نقاط ضعف واضحة، إذ يتطلب من مشغّل المسيّرة تنفيذ دورة اشتباك جوي شبه كاملة في بيئة معرضة للتشويش والحرب الإلكترونية، ما يجعل نجاح الإطلاق مرتبطًا بظروف تشغيلية دقيقة.

يبدو أن موسكو تسعى من خلال هذا النهج إلى إنشاء ما يمكن وصفه بمقاتلات مرافقة غير مأهولة ترافق أسراب المسيّرات بعيدة المدى، وتوفر لها طبقة حماية محدودة ضد الاعتراض الجوي. ورغم أن التجربة لا تزال في طور التقييم الميداني، فإنها ستجبر الجانب الأوكراني على إعادة النظر في تكتيكات الطيران الدفاعي منخفض الارتفاع، وربما زيادة الاعتماد على وسائل اعتراض أرضية أو مسيّرات مضادة.

في المحصلة، لا يمثل تسليح Geran-2 بصواريخ R-60 قفزة تقنية كبرى، لكنه يعكس ابتكارًا تكتيكيًا باستخدام وسائل قديمة نسبيًا في أدوار غير تقليدية. ويبقى نجاح هذا المفهوم أو فشله مرهونًا بقدرة روسيا على تشغيله بفعالية في بيئة مشبعة بالتشويش والضغط الجوي، وبمدى سرعة تكيف الدفاعات الأوكرانية مع هذا التهديد الناشئ.

فئة ترامب: الرئيس الأمريكي يعلن عن بوارج حديثة مزودة بصواريخ فرط صوتية وأسلحة نووية

كشف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عن موافقته على الشروع في بناء زوج أولي من بوارج نووية مسلحة ضمن برنامج جديد يحمل اسم “فئة ترامب (Trump-class)”، في إعلان غير مسبوق منذ نهاية الحرب الباردة، وفي خطوة من شأنها إعادة إحياء فئة البوارج الثقيلة داخل البحرية الأمريكية بعد غياب دام أكثر من ثلاثة عقود. ووفق التصريحات الرسمية، تهدف البحرية الأمريكية على المدى الطويل إلى تشكيل أسطول يتراوح بين 20 و 25 بارجة من هذا الطراز، ضمن مبادرة أوسع أطلق عليها اسم “الأسطول الذهبي (Golden Fleet)”، والهادفة إلى إعادة بناء القدرات الصناعية والبحرية الأمريكية على نطاق واسع.

وجاء الإعلان خلال فعالية رسمية أُقيمت في منتجع مارالاغو بولاية فلوريدا، بحضور وزير الدفاع بيت هيغسيث، ووزير الخارجية ماركو روبيو، ووزير البحرية جون فيلان، إضافة إلى عدد من كبار القادة العسكريين ومسؤولي الأمن القومي. وأكد ترامب، خلال كلمته، أن السفن الجديدة ستكون الأسرع، والأضخم، والأكثر فتكًا بمراحل من أي بارجة بُنيت في التاريخ، مضيفًا أنها ستُسلّح بمنظومات تقليدية ونووية متقدمة، وستعمل كسفن قيادة وسيطرة للأسطول الأمريكي، وقلب مجموعات القتال السطحية المستقبلية.

وبحسب ترامب، فإن البرنامج يمثل عودة رسمية لتصنيف “البارجة (Battleship)” إلى الخدمة لأول مرة منذ إخراج بوارج فئة آيوا من الخدمة بين عامي 1990 و1992، وعلى رأسها البارجتان USS Missouri وUSS Wisconsin، بعد أن خضعتا حينها لتحديثات واسعة شملت صواريخ كروز وأنظمة حرب إلكترونية. ويعكس هذا الإعلان توجهًا أمريكيًا متجددًا لإعادة الاعتبار للقطع السطحية الثقيلة في بيئة بحرية تتسم بتصاعد التهديدات الصاروخية والفرط صوتية، وتزايد المنافسة مع القوى البحرية الكبرى.

المواصفات العامة لفئة ترامب

وفق ما أوردته تقارير متخصصة، من بينها موقع Naval News و UK Defence Journal، فإن بوارج فئة ترامب يُتوقع أن تبلغ إزاحتها ما بين 30 ألفًا و40 ألف طن، أي أقل من بوارج آيوا التاريخية التي تجاوزت 57 ألف طن بحمولة كاملة، لكنها تبقى أضخم من أكبر القطع السطحية القتالية العاملة حاليًا، بما في ذلك الطرادات النووية الروسية من “فئة كيروف (Orlan-class)”. وتشير البحرية الأمريكية إلى أن هذه السفن ستكون أكبر بنحو ثلاثة أضعاف من مدمرات Arleigh Burke من الفئة Flight III.

وتُظهر الرسومات الأولية للسفينة الرائدة، التي تحمل اسم USS Defiant، هيكلًا ضخمًا بتصميم شبحـي نسبيًا، مزودًا ببنية علوية مدمجة (Integrated Superstructure)، ومصفوفات رادار SPY‑6 كبيرة الحجم، إلى جانب أنظمة استشعار متقدمة، وأنظمة ليزر موجهة عالية الطاقة، وأكثر من 100 خلية إطلاق عمودي (VLS) موزعة على ثلاث مجموعات رئيسية، اثنتان في المقدمة وواحدة في المؤخرة.

ولا يُنظر إلى هذه السفن بوصفها منصات قتال فقط، بل كقطع قيادة وسيطرة بحرية من الدرجة الأولى. فالتصميم يتضمن، وفق التقارير، مساحات مخصصة لقيادة العمليات البحرية، مع تجهيزات متكاملة لمنظومات القيادة والسيطرة والاتصالات والاستخبارات (C4ISR)، ما يتيح للبارجة قيادة مجموعة عمل سطحية مستقلة، أو العمل كسفينة قيادة ضمن مجموعة ضاربة لحاملة طائرات، إضافة إلى الإشراف على منصات مأهولة وغير مأهولة في آن واحد.

هذا مخطط تصوري لتجهيزات سفينة حربية أمريكية مقترحة من "فئة ترامب"
هذا مخطط تصوري لتجهيزات سفينة حربية أمريكية مقترحة من “فئة ترامب”

من الناحية القتالية، يرتكز مفهوم فئة ترامب على تحقيق كثافة نارية هائلة وضربة هجومية بعيدة المدى. وتشير التصاميم إلى تزويد السفن بثلاث مجموعات رئيسية من خلايا الإطلاق العمودي من طراز Mk 41 أو النسخة المطورة Growth VLS، القادرة على إطلاق صواريخ Tomahawk المجنحة، وصواريخ Standard للدفاع الجوي، إضافة إلى صواريخ هجومية وبحرية متعددة المهام.

كما يتضمن التصميم حزمة مستقلة في مقدمة السفينة مخصصة لصواريخ الضربة التقليدية السريعة (Conventional Prompt Strike – CPS)، حيث يُتوقع أن تحمل البارجة ما لا يقل عن 12 صاروخًا فرط صوتي، وهي الصواريخ نفسها التي يجري دمجها حاليًا على مدمرات Zumwalt، ما يمنح السفينة قدرة على توجيه ضربات دقيقة عالية السرعة ضد أهداف استراتيجية على مسافات بعيدة جدًا.

الأهم في هذا السياق هو تأكيد الرئيس الأمريكي أن بوارج فئة ترامب ستُجهز بصاروخ SLCM‑N المجنح المزود برأس نووي، وهو صاروخ لا يزال قيد التطوير لصالح البحرية الأمريكية. ويمثل ذلك عودة السلاح النووي إلى السفن السطحية لأول مرة منذ عقود، بعد أن كانت الولايات المتحدة قد حصرت الردع النووي البحري في الغواصات الإستراتيجية من فئة Ohio، ما يعكس تحولًا عميقًا في العقيدة النووية البحرية الأمريكية.

وتُظهر الرسومات كذلك تجهيز السفن بمدفعين بحريين من عيار 127 ملم (Mk 45) في المقدمة، إلى جانب مدفع كهرومغناطيسي (Railgun) بقدرة تصل إلى 32 ميغا جول، وهو سلاح ظل لسنوات في الإطار التجريبي. كما ستُجهز السفن بمنظومات دفاع قريبة تشمل صواريخ RAM، وأربع منظومات حرب إلكترونية SEWIP Block III، ومدافع Mk 38 عيار 30 ملم، إلى جانب نظامي ليزر بقدرة 300 كيلوواط لكل منهما، لمواجهة الطائرات المسيّرة والصواريخ منخفضة التكلفة.

رغم عدم نشر تفاصيل تقنية كاملة، فإن حجم السفن وطبيعة مهامها بعيدة المدى يشيران بقوة إلى اعتمادها علي الدفع النووي، بما يمنحها قدرة على الانتشار طويل الأمد دون الحاجة إلى إعادة التزود بالوقود، ويجعلها مناسبة للعمل في مسارح عمليات بعيدة مثل المحيط الهادئ. كما أكد ترامب أن السفن ستتضمن قدرات مدفوعة بالذكاء الاصطناعي، دون تحديد طبيعتها، في إشارة إلى أتمتة إدارة المعركة، وتحسين الوعي الظرفي، وربما تقليل أعداد الطاقم مستقبلًا.

البعد السياسي والاستراتيجي

في البعد السياسي، ربط وزير الدفاع بيت هيغسيث البرنامج بما وصفه بالعودة القوية للقوة الأمريكية إلى المسرح العالمي، معتبرًا أن “الأسطول الذهبي” يمثل التزامًا جيليًا بإعادة بناء القوة البحرية الأمريكية. وأضاف أن هذه البوارج ستوفر ردعًا فوريًا ومستدامًا في مواجهة التحديات الحالية والمستقبلية.

من جانبه، شدد وزير البحرية جون فيلان على أن USS Defiant ستكون سفينة تثير الرهبة أينما رست، مؤكدًا أنها ستعمل كسفينة قيادة للأسطول، وقادرة على استضافة كبار القادة وإدارة العمليات البحرية المشتركة. كما أشار ترامب إلى أن جميع السفن ستُبنى داخل الولايات المتحدة، مع إمكانية إشراك أحواض مملوكة لشركات أجنبية لكنها تعمل داخل الأراضي الأمريكية، وبالاعتماد على قاعدة صناعية تضم نحو ألف مورد في مختلف الولايات.

قراءة ختامية

في المحصلة، لا يمكن النظر إلى مشروع بوارج فئة ترامب على أنه مجرد برنامج تسليح جديد، بل هو تحول مفاهيمي عميق في رؤية واشنطن للحرب البحرية. فهو يعيد الاعتبار للقطع السطحية الثقيلة كمنصات ردع وضرب بعيدة المدى، ويطرح مجددًا سؤال جدوى البوارج في عصر الصواريخ الفرط صوتية والطائرات المسيّرة والحرب الشبكية، في وقت تعاني فيه البحرية الأمريكية من فجوات متزايدة في عدد خلايا الإطلاق العمودي مع اقتراب تقاعد طرادات Ticonderoga وغواصات Ohio الصاروخية.

كوريا الشمالية تعرض أول غواصة نووية محلية الصنع

في تطور لافت ضمن مسار البرنامج النووي العسكري لكوريا الشمالية، أعلنت بيونغ يانغ عن تشكيل أول فيلق لغواصة نووية ومزودة بصواريخ موجهة، في خطوة قد تمثل تحولًا نوعيًا في قدراتها البحرية النووية. وجاء الإعلان خلال زيارة أجراها الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى حوض بناء السفن في بونغديه (Pongdae Shipyard)، حيث عُرضت عليه الغواصة قيد الإنشاء، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية. 

وبحسب وكالة الأنباء الرسمية KCNA، فإن الغواصة الجديدة توصف بأنها غواصة استراتيجية تعمل بالطاقة النووية بوزن إزاحة يقدّر بنحو 8,700 طن، ولا تزال حاليًا في مرحلة البناء. وأشارت الوكالة إلى أن كيم جونغ أون تفقد خلال الزيارة هيكل الغواصة والفراغات الداخلية، في ما وصفته بأنه تفقد ميداني يعكس الأهمية التي توليها القيادة الكورية الشمالية لمشروع “تسليح البحرية نوويًا”، والذي اعتبره كيم ضرورة ملحّة في ظل ما وصفه بتدهور البيئة الأمنية حول شبه الجزيرة الكورية.

وتزامن الإعلان مع تصعيد سياسي واضح، إذ انتقد الزعيم الكوري الشمالي الخطوات الأخيرة لكل من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، ولا سيما دعم واشنطن لمشروع سيول الخاص بالغواصات العاملة بالطاقة النووية، معتبرًا ذلك تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الكوري الشمالي وانتهاكًا للسيادة البحرية.

التحليل الفني والمواصفات

من الزاوية التقنية، تُظهر الصور التي بثتها وكالة KCNA الغواصة مطلية بلون بني مائل إلى الأحمر، وهو لون يُستخدم عادة كـطبقة أساس (Primer) قبل الطلاء النهائي الأسود، ما يشير إلى أن الغواصة لا تزال في مراحل ما قبل الإطلاق. هذا يعكس أن العمل لم يكتمل بعد على مستوى تركيب الأنظمة الداخلية، والعزل الصوتي، واختبارات الأمان الهيكلي. ويُعد عرض الغواصة بالحجم الكامل للمرة الأولى مؤشرًا على انتقال المشروع من مرحلة التطوير النظري إلى مرحلة تصنيع فعلي متقدمة، وهو تطور لافت مقارنة بالسنوات السابقة.

تقدير الإزاحة بنحو 8,700 طن يضع الغواصة الجديدة ضمن فئة الغواصات الكبيرة، ويرجّح تصنيفها كغواصة حاملة لصواريخ باليستية (SSBN) أو على الأقل غواصة صواريخ موجهة استراتيجية. هذا الحجم يمثل قفزة واضحة مقارنة بغواصة Hero Kim Kun Ok التي أُطلقت في سبتمبر 2023، والتي كانت تعتمد على الدفع التقليدي وكانت أصغر بكثير.

تُظهر مقدمة الغواصة ستة أنابيب طوربيد، يُرجّح أن تكون من العيار القياسي 533 ملم. هذا التكوين يدل على أن الغواصة لن تكون منصة استراتيجية فقط، بل ستحتفظ بقدرات قتال بحري تقليدية، تشمل الطوربيدات الثقيلة وربما صواريخ كروز تُطلق من أنابيب الطوربيد، ما يعزز مرونتها العملياتية.

صف واحد (5) أو صفين (10) من أنابيب إطلاق الصواريخ الباليستية
صف واحد (5) أو صفين (10) من أنابيب إطلاق الصواريخ الباليستية

أحد أبرز المؤشرات التقنية هو التغيير الجذري في تصميم السارية (Sail)، التي أصبحت أكبر حجمًا وتضم ما يشبه حدبة واضحة، وهي سمة معروفة في الغواصات الحاملة للصواريخ الباليستية. هذا التصميم يرتبط عادة باستيعاب أنابيب إطلاق عمودية لصواريخ باليستية تُطلق من تحت الماء (SLBM)، ويرجّح ارتباطه بعائلة صواريخ Pukguksong، ولا سيما النسخ البحرية التي اختُبرت سابقًا.

تُظهر اللقطات المتتابعة في الصورة عملية إطلاق صاروخ باليستي كوري شمالي من طراز Pukguksong-3 (KN-26) يُطلق من منصة مغمورة.
تُظهر اللقطات المتتابعة في الصورة عملية إطلاق صاروخ باليستي كوري شمالي من طراز Pukguksong-3 (KN-26) يُطلق من منصة مغمورة.

رغم غياب تأكيد رسمي حول نوع الدفع، فإن حجم الغواصة يجعل من الدفع النووي الخيار الواقعي الوحيد. ويُرجّح أن تسعى كوريا الشمالية لاستخدام يورانيوم عالي التخصيب يسمح بتشغيل المفاعل طوال العمر التشغيلي للغواصة دون إعادة تزويد بالوقود، وهو نهج يختلف جذريًا عن الخطط الكورية الجنوبية. لكن هذا المسار يفرض تحديات تقنية هائلة، تشمل العزل الصوتي وتقليل البصمة الصوتية، وأنظمة تبريد المفاعل، والتكامل الآمن بين الدفع النووي وأنظمة الإطلاق، وموثوقية القيادة والسيطرة في بيئة مغلقة ومعقدة.

في هذا السياق، تكتسب التقارير الاستخباراتية الكورية الجنوبية أهمية خاصة، إذ أشار وزير الدفاع في أكتوبر 2025 إلى احتمال حصول بيونغ يانغ على دعم تقني روسي. وتشمل هذه المساعدات المحتملة، وفق تقارير غير مؤكدة، مكونات مفاعلات نووية وتوربينات وأنظمة تبريد مأخوذة من غواصات روسية متقاعدة، وهو ما قد يفسر التسارع الملحوظ في وتيرة المشروع.

غواصة نووية… نقلة نوعية محتملة

إذا صحت المواصفات التي أعلنتها بيونغ يانغ، فإن الغواصة الجديدة تمثل قفزة نوعية كبيرة في القدرات البحرية الكورية الشمالية. فالغواصات العاملة بالطاقة النووية تمنح الدولة المالكة لها قدرة بقاء طويلة تحت الماء، ومدى عملياتي شبه غير محدود، ومرونة أعلى في الانتشار مقارنة بالغواصات التقليدية العاملة بالديزل والكهرباء.

ويرى محللون عسكريون أن غواصة بوزن 8,700 طن تُصنف عمليًا ضمن فئة الغواصات الحاملة للصواريخ الباليستية (SSBN)، أو على الأقل غواصات صواريخ موجهة استراتيجية، ما يفتح الباب أمام نشر صواريخ باليستية مزودة برؤوس نووية من البحر، وهو ما يعزز ما يعرف بـ”الضربة النووية الثانية”.

الصور التي بثتها KCNA أظهرت ما وصفه محللون بأنه هيكل ضغط شبه مكتمل، مع ملامح خارجية تتسق مع تصميمات الغواصات الاستراتيجية، بما في ذلك مقاطع يُعتقد أنها مخصصة لأنابيب إطلاق صواريخ. ووفق تقديرات خبراء، فإن حجم الغواصة يشير إلى استخدام وقود نووي عالي التخصيب، قد تتجاوز نسبة تخصيبه 90%، ما يعني أن مفاعل الغواصة قد لا يحتاج إلى إعادة تزويد بالوقود طوال عمرها التشغيلي.

في حال تأكد ذلك، فإن كوريا الشمالية ستكون قد حققت إنجازًا تقنيًا معقدًا، بالنظر إلى القيود الدولية المفروضة عليها، وهو ما يثير تساؤلات حول مصادر المعرفة التقنية ومستوى النضج الصناعي الذي بلغته.

مقارنة مع كوريا الجنوبية

في المقابل، تحاول بيونغ يانغ تبرير برنامجها عبر الإشارة إلى خطط كوريا الجنوبية لبناء غواصات تعمل بالطاقة النووية. إلا أن سيول أكدت مرارًا أن هذه الغواصات ستكون تقليدية التسليح، وأن الهدف منها هو تعزيز القدرة على البقاء والتخفي لفترات طويلة، وليس حمل أسلحة نووية.

كما أن التصاميم الكورية الجنوبية يُتوقع أن تعتمد على يورانيوم منخفض التخصيب بنسبة تقارب 20%، ما يتطلب إعادة تزويد المفاعل بالوقود كل نحو عشر سنوات، على عكس ما يُعتقد أن كوريا الشمالية تسعى إليه.

أبعاد الردع الإقليمي والدولي

من منظور استراتيجي، فإن امتلاك كوريا الشمالية لغواصة نووية قادرة على حمل صواريخ باليستية سيعني توسيع الردع النووي الكوري الشمالي إلى المجال البحري، بعد أن كان يتركز أساسًا على الصواريخ البرية. هذا التطور من شأنه أن يعقد حسابات الولايات المتحدة وحلفائها، ويزيد من صعوبة تتبع وتحييد القدرات النووية الكورية الشمالية في أي سيناريو تصعيدي.

ويرى الخبير الكوري الجنوبي ليم إيل-تشول أن هذا المشروع لم يعد مجرد فكرة نظرية، بل أصبح “واقعًا ناشئًا” يمكن أن يشكل تهديدًا ليس فقط لكوريا الجنوبية، بل للأراضي الأمريكية نفسها في المدى الأبعد.

المغرب تتسليم أول دفعة من المدرعة WhAP 8×8 المصنعة محليا

في تطور جديد ضمن مسار تحديث القوات البرية المغربية وتعزيز التصنيع العسكري المحلي، أعلنت شركة Tata Advanced Systems Limited (TASL) الهندية تسليم الدفعة الأولى من العربات القتالية المدرعة WhAP 8×8 إلى القوات المسلحة الملكية المغربية، وذلك في إطار برنامج إنتاج محلي جرى الاتفاق عليه بين الطرفين. وجاء الإعلان رسميًا عبر بيان نشرته الشركة، أكدت فيه أن هذه الخطوة تمثل بداية مرحلة تنفيذية لشراكة صناعية طويلة الأمد، وليست مجرد صفقة توريد تقليدية.

بحسب ما أعلنت Tata Advanced Systems، فإن العربات الأولى من طراز WhAP 8×8 تم تسليمها إلى الجيش المغربي بعد دخول مصنع الإنتاج المحلي مرحلة التشغيل الفعلي. وأشارت الشركة إلى أن هذه العربات جرى تصنيعها داخل المغرب، في منشأة صناعية حديثة أُنشئت خصيصًا لدعم هذا البرنامج. ويأتي هذا التطور بعد توقيع اتفاق رسمي في عام 2024 يقضي بإنتاج العربة محليًا وتكييفها وفق المتطلبات العملياتية للقوات المسلحة الملكية.

وتزامن تسليم الدفعة الأولى مع بدء تشغيل مصنع جديد في منطقة برشيد قرب الدار البيضاء، وهو مصنع تبلغ مساحته نحو 20 ألف متر مربع، ويُعد وفق التصريحات الرسمية أكبر منشأة تصنيع دفاعي في المغرب حتى الآن. ويمثل دخول المصنع الخدمة قبل الموعد المحدد بثلاثة أشهر مؤشرًا على الجاهزية الصناعية وسرعة التنفيذ، حيث أفادت الشركة بأن أولى العربات سُلّمت فعليًا في أكتوبر 2025.

مواصفات المركبة المدرعة WhAP 8×8

تعد المركبة المدرعة WhAP 8×8 بمثابة منصة مدولبة مدرعة جرى تطويرها بشكل مشترك بين شركة “Tata Advanced Systems Limited” و”منظمة البحث والتطوير الدفاعي الهندية (DRDO)”. وقد صُممت هذه المركبة على أساس فلسفة المرونة والتعدد الوظيفي، إذ يمكن تهيئتها لأداء طيف واسع من المهام القتالية والداعمة.

وتشمل هذه المهام نقل المشاة، والقيادة والسيطرة، والدعم القتالي، والمهام اللوجستية، ما يجعلها منصة مناسبة للجيوش التي تسعى إلى توحيد الهياكل القتالية وتقليل تنوع المنصات داخل قواتها البرية. وتؤكد الشركة المصنعة أن المركبة المدرعة WhAP 8×8 توفر توازنًا بين الحماية، وقابلية الحركة، وقابلية التكييف، وهي عناصر حاسمة في بيئات العمليات الحديثة.

دلالات الاختيار المغربي

من منظور عسكري، يعكس توجه المغرب نحو اقتناء المركبة المدرعة WhAP 8×8 المدولبة إدراكًا متزايدًا لأهمية المرونة العملياتية وسرعة الانتشار. فالعربات المدولبة، مقارنة بالمجنزرة الثقيلة، توفر قدرة أفضل على التحرك لمسافات طويلة على الطرق، مع كلفة تشغيل وصيانة أقل، وهو عامل مهم في الجيوش التي تعتمد على الانتشار السريع وتعدد مسارح العمليات.

كما أن الطبيعة الجغرافية للمغرب، إلى جانب متطلبات تأمين الحدود والقدرة على التحرك في بيئات صحراوية وشبه حضرية، تجعل هذا النوع من المنصات خيارًا عمليًا لتشكيلات المشاة الآلية وقوات التدخل السريع.

الأهمية الأكبر لبرنامج WhAP 8×8 لا تكمن فقط في العربة ذاتها، بل في نموذج التصنيع المحلي الذي اعتمده المغرب. فإقامة مصنع دفاعي بمساحة 20 ألف متر مربع وتشغيله قبل الجدول الزمني المخطط له يعكس توجهًا استراتيجيًا لبناء قاعدة صناعية عسكرية وطنية، قادرة على دعم القوات المسلحة ليس فقط عبر الإنتاج، بل أيضًا عبر الصيانة والدعم طويل الأمد.

تدشين مصنع شركة "Tata Advanced Systems Limited" الهندية في منطقة برشيد قرب الدار البيضاء
تدشين مصنع شركة “Tata Advanced Systems Limited” الهندية في منطقة برشيد قرب الدار البيضاء

وتشير تصريحات شركة “Tata Advanced Systems” إلى أن البرنامج صُمم كشراكة صناعية ممتدة، تشمل تطوير القوى العاملة المحلية، وتوطين سلاسل الإمداد، وضمان الاستدامة التشغيلية لأسطول العربات على مدى سنوات خدمته. هذا النهج يقلل من الاعتماد الخارجي في أوقات الأزمات، ويمنح القوات المسلحة مرونة أكبر في إدارة جاهزية معداتها.

على المستوى الدولي، يعكس هذا البرنامج تصاعد حضور الهند كلاعب متنامٍ في سوق الصناعات الدفاعية العالمية. فنجاح شركة “Tata Advanced Systems” في تنفيذ برنامج إنتاج محلي متكامل خارج الهند، وبشراكة مع دولة إقليمية وازنة مثل المغرب، يعزز صورة الصناعات الدفاعية الهندية كبديل عملي لبعض الموردين التقليديين، خاصة للدول التي تبحث عن توازن بين الكلفة، ونقل التكنولوجيا، والاستقلالية السياسية.

سياق أوسع للتحديث المغربي

يأتي برنامج WhAP 8×8 ضمن سياق أوسع تشهده المملكة المغربية خلال السنوات الأخيرة، يتمثل في توسيع قدراتها الدفاعية وتنويع مصادر التسليح، مع تركيز واضح على المدرعات، وأنظمة الدفاع الجوي، والطائرات غير المأهولة. ويتماشى هذا التوجه مع سياسة الرباط الهادفة إلى الجمع بين تحديث القدرات القتالية وبناء صناعة دفاعية محلية، دون الارتهان إلى شريك دولي واحد.

في المحصلة، فإن تسليم الدفعة الأولى من المركبة المدرعة WhAP 8×8 لا يمثل مجرد خبر عسكري عابر، بل يعكس تحولًا أعمق في طريقة تعامل المغرب مع صفقات التسليح، حيث بات التصنيع المحلي والشراكات الصناعية عنصرين أساسيين في معادلة الأمن والدفاع الوطني.

مقاتلة J-35 الصينية: تقرير البنتاجون يكشف اهتمام مصر والسعودية والإمارات

أفاد تقرير وزارة الدفاع الأمريكية لعام 2025 بأن عدة دول في منطقة الشرق الأوسط، بما في ذلك مصر والسعودية والإمارات، أبدت اهتمامًا بالحصول على المقاتلة J-35 الشبحية الصينية. يأتي هذا الاهتمام في إطار توجه هذه الدول إلى تنويع مصادر تسليحها الجوية والبحث عن قدرات متقدمة خارج المنظومات الغربية التقليدية، خصوصًا في ظل القيود الأمريكية على توريد مقاتلات متقدمة مثل F‑35 لبعض العملاء الإقليميين.

وجاءت هذه البيانات ضمن التقرير السنوي المرفوع إلى الكونغرس حول التطورات العسكرية والأمنية المرتبطة بالصين، والذي يوضح بجلاء استراتيجية بكين لتوسيع نفوذها العسكري والاقتصادي في الشرق الأوسط من خلال الترويج لمقاتلاتها الحديثة، وتعزيز التعاون العسكري مع دول المنطقة.

الطائرات الصينية التي يهتم بها الشرق الأوسط

يشير تقرير البنتاجون إلى أن الصين تعرض ثلاث فئات رئيسية من الطائرات القتالية للتصدير:

  1. الفئة الأولى مقاتلة J-35 الشبحية من الجيل الخامس: أشار التقرير أنه حتى مايو 2025، لم تُسجل أي مبيعات رسمية، لكن الدول المهتمة تشمل مصر، والسعودية، والإمارات.
  2. الفئة الثانية مقاتلة J‑10C متعددة المهام من الجيل الرابع: أشار التقرير أن باكستان تلقت حتى الآن 20 وحدة من أصل 36 تم طلبها منذ 2020، بينما أعربت مصر وأوزبكستان وإندونيسيا وإيران وبنغلادش عن اهتمامها بهذه الطائرة.
  3. الفئة الثالثة مقاتلة JF‑17 الخفيفة الصينية‑الباكستانية: أشار التقرير أن مفاوضات جرت مع أذربيجان وبورما ونيجيريا، وفي 2024 بدأت مفاوضات مع العراق.

بالإضافة إلى ذلك، زوّدت الصين عدة دول في المنطقة والعالم العربي مثل مصر والإمارات والجزائر والعراق بطائرات مسيرة مسلحة من طراز Caihong و Wing Loong، ما يعكس استراتيجية بكين لتعزيز حضورها في سوق الطائرات بدون طيار القتالية، والذي يشهد طلبًا متزايدًا عالميًا.

أما فيما يخص أوزبكستان، فقد عبرت عن اهتمامها بمقاتلات J‑10C، حيث تتداول بعض المصادر تقديرات حول استلام دفعة أولى، لكنها غير مؤكدة رسميًا في التقرير.

النشاط العسكري الصيني في الشرق الأوسط

علاوة على التصدير، يعكس التقرير أن الصين وسعت تواجدها العسكري الإقليمي في 2024 من خلال تدريبات مشتركة مع مصر والإمارات، إضافة إلى تمرين بحري ثلاثي مع إيران وروسيا. هذه الخطوات تعكس أولوية بكين للحفاظ على علاقات استراتيجية مستقرة في المنطقة، وتعزيز صورتها كقوة مساعدة للأمن الإقليمي، خصوصًا عبر مهام الأسطول الصيني الروتينية في خليج عدن وزيارات الموانئ الخليجية.

في الجانب السياسي، واصلت الصين دعمها للقضية الفلسطينية، محاولةً تقديم بديل عن الدعم الأمريكي لإسرائيل دون الانخراط المباشر في النزاع في غزة. كما أعادت الصين تقييم علاقاتها مع الحكومة الانتقالية السورية، مدفوعة بالقلق من وجود عناصر إيغورية في سوريا قد تهدد الأمن الداخلي لبكين، وانتقدت هجمات الحوثيين في البحر الأحمر والعمليات الأمريكية ضدهم باعتبارها غير فعالة وتزيد من عدم الاستقرار الإقليمي.

استراتيجية بكين والفرص الإقليمية

يُظهر التقرير أن الصين تتبع استراتيجية مزدوجة في الشرق الأوسط:

  • توسيع النفوذ العسكري والتسليحي: من خلال عرض منصات جوية متقدمة، بما فيها المقاتلات الشبحية J‑35، ومقاتلات الجيل الرابع J‑10C، والطائرات الخفيفة JF‑17، إضافة إلى الطائرات المسيرة القتالية، ما يمنحها القدرة على دخول أسواق كانت محتكرة سابقًا من قبل الولايات المتحدة والدول الغربية.
  • الاستفادة من ضعف الالتزام الغربي أو قيوده: العديد من الدول الإقليمية تبحث عن بدائل للأسلحة الغربية بسبب القيود على الصفقات أو أسعارها المرتفعة، أو بسبب عدم وضوح الالتزام الأمريكي، وهو ما يتيح للصين فرصة لإبرام عقود مستقبلية وتوطيد العلاقات الاستراتيجية.
  • الربط بين السياسة والأمن: دعم الصين للقضية الفلسطينية وانتقادها للعمليات الأمريكية ضد الحوثيين يعكس سعي بكين لتقديم صورة “محايدة أو بديلة” في السياسة الإقليمية، ما يعزز من نفوذها السياسي بينما تتجنب الانخراط المباشر في النزاعات الساخنة.

استمرار الصين في تسويق المقاتلة J-35 الشبحية مع استمرار اهتمام مصر والسعودية والإمارات قد يشكل نقطة تحول في سوق الطائرات العسكرية في الشرق الأوسط. كما أن نجاح صفقات J‑10C مع باكستان وأي عقود مستقبلية مع دول أخرى يعزز مكانة بكين كمنافس صاعد في سوق الطيران القتالي العالمي، ويبرز قدرتها على التحدي في ظل التحولات الاستراتيجية لسوق المقاتلات. في حين تتجه العديد من دول المنطقة نحو تنويع مصادر التسليح، ما يجعل الصين لاعبًا محوريًا في هذا التحول، لا سيما في فئة الطائرات الحديثة والطائرات المسيرة.