تعد العقيدة الدفاعية الإيرانية المفتاح الأساسي لفهم السلوك العسكري لطهران في المنطقة، خاصة فيما يتعلق باستهداف دول الخليج. فبدلًا من تفسير هذه التحركات باعتبارها ردود فعل مباشرة على الوجود العسكري الأجنبي، تكشف القراءة الأعمق أن الأمر يرتبط باستراتيجية متكاملة تهدف إلى إدارة الصراع بطريقة غير تقليدية.
في هذا السياق، لا يُنظر إلى الخليج فقط كساحة مواجهة، بل كأداة ضغط ذات تأثير عالمي، نظرًا لمكانته المحورية في أسواق الطاقة الدولية. ومن هنا، يصبح استهدافه جزءًا من معادلة أوسع تسعى من خلالها إيران إلى التأثير على موازين القوى عبر الاقتصاد، وليس فقط عبر المواجهة العسكرية المباشرة.
جذور العقيدة الدفاعية الإيرانية
تشكلت العقيدة الدفاعية الإيرانية في سياق تاريخي معقد أعقب الثورة الإيرانية، حيث واجهت البلاد عزلة دولية وعقوبات اقتصادية قاسية، إلى جانب قيود كبيرة على استيراد السلاح والتكنولوجيا العسكرية.
لكن هذا التحول لا يمكن فهمه دون العودة إلى مرحلة ما قبل الثورة، حيث كان الجيش الإيراني في عهد الشاه يُعد أحد أكثر الجيوش تطورًا في المنطقة، معتمدًا بشكل كبير على الدعم الغربي، خاصة في مجالات التسليح والتدريب. امتلكت إيران آنذاك قوة جوية متقدمة وتجهيزات حديثة، وكانت تسعى لبناء جيش تقليدي قادر على مضاهاة القوى الإقليمية وفق النموذج الغربي.
إلا أن هذا النموذج تعرض لاهتزاز كبير بعد الثورة، نتيجة القطيعة مع الغرب وخروج عدد كبير من الكوادر والخبرات العسكرية، إلى جانب صعوبة صيانة وتحديث المنظومات المتقدمة. هذا الواقع انعكس مباشرة على بنية الجيش الإيراني، الذي عانى لاحقًا من تراجع نسبي في سلاحه الجوي مقارنة بخصومه الإقليميين، إضافة إلى محدودية القدرات البحرية التقليدية.
وجاءت الحرب مع العراق لتعمّق هذا الإدراك، حيث خرجت إيران منها بقناعة واضحة: المنافسة في إطار الحرب التقليدية مع خصم متفوق تكنولوجيًا ليست خيارًا عمليًا.
التحول نحو الحرب غير المتكافئة
بدلًا من محاولة تقليد الجيوش الكبرى، اتجهت إيران إلى تبني نموذج مختلف يعتمد على تعويض نقاط الضعف بوسائل بديلة، خاصة بعد التجربة القاسية في الحرب مع العراق.
خلال تلك الحرب، اعتمدت إيران على أساليب مقاومة غير تقليدية لتعويض ضعفها في التسليح والتفوق الجوي، من بينها الهجمات البشرية الكثيفة، وحرب الاستنزاف طويلة الأمد، والاعتماد على العمق البشري بدلًا من التفوق التكنولوجي. ومع مرور الوقت، أدركت القيادة الإيرانية أن هذا النمط مكلف للغاية بشريًا، لكنه في الوقت ذاته كشف إمكانية إطالة أمد الصراع واستنزاف خصم متفوق تقليديًا.
هذه التجربة أفرزت مجموعة من الدروس الحاسمة، أهمها أن التفوق العسكري لا يُقاس فقط بنوعية السلاح، بل بالقدرة على فرض معادلة استنزاف طويلة، وأن ضرب نقاط الضعف الاقتصادية واللوجستية للخصم قد يكون أكثر فاعلية من المواجهة المباشرة.
بناءً على ذلك، طورت إيران استراتيجيتها العسكرية لتشمل برامج الصواريخ بعيدة المدى كبديل عن سلاح الجو، واعتمدت على الطائرات المسيّرة منخفضة التكلفة والقابلة للإنتاج بكثافة، إلى جانب تبني تكتيكات الحرب غير المتكافئة في البحر، مثل استخدام الزوارق السريعة والألغام البحرية لتهديد الملاحة.
كما توسع هذا النهج ليشمل بناء شبكة من الحلفاء الإقليميين كأدوات غير مباشرة لتحقيق الأهداف الاستراتيجية، ومن أبرز هذه الأطراف: حزب الله في لبنان، والحوثيون في اليمن، إضافة إلى فصائل مسلحة في العراق وسوريا. وقد سمح هذا الامتداد بخلق عمق استراتيجي لإيران خارج حدودها، وتحويل أي مواجهة محتملة إلى صراع متعدد الجبهات يصعب احتواؤه.
الاقتصاد العالمي كنقطة ضغط رئيسية
أحد أهم الدروس التي استخلصتها إيران خلال ما عُرف بـ”حرب الناقلات” هو حساسية الاقتصاد العالمي تجاه اضطرابات الطاقة والملاحة البحرية، لكن هذا الإدراك لم يأتِ من فراغ، بل كان نتيجة مباشرة لتجربة ميدانية خلال الحرب مع العراق.
فمع تصاعد الصراع، بدأ استهداف ناقلات النفط كجزء من محاولات متبادلة للضغط الاقتصادي، حيث سعى كل طرف إلى تقليص قدرة الآخر على تصدير النفط، باعتباره المصدر الرئيسي للتمويل. وفي هذا السياق، وجدت إيران نفسها أمام واقع واضح: ضرب تدفقات الطاقة لا يؤثر فقط على الخصم المباشر، بل يمتد تأثيره ليشمل الاقتصاد العالمي بأكمله.
هذا التفاعل الدولي مع تهديد الملاحة كشف لطهران نقطة ضعف جوهرية في النظام العالمي، وهي الاعتماد الكبير على استقرار إمدادات النفط والممرات البحرية. ومن هنا، تحوّل استهداف الناقلات من مجرد أداة تكتيكية في حرب إقليمية إلى مفهوم استراتيجي أوسع يقوم على التأثير غير المباشر عبر الاقتصاد.
وبناءً على هذا الفهم، أصبح استهداف البنية المرتبطة بالطاقة – مثل ناقلات النفط والممرات البحرية – جزءًا أساسيًا من العقيدة الدفاعية الإيرانية، ليس بهدف التدمير في حد ذاته، بل كوسيلة لخلق حالة من عدم الاستقرار تؤدي إلى ضغط دولي واسع.
الهدف في هذا السياق يتمثل في توسيع نطاق التأثير ليشمل القوى الكبرى، بحيث تتحول أي مواجهة إلى أزمة تتجاوز حدود الإقليم، وهو ما يمنح إيران أداة ردع غير تقليدية تعتمد على تهديد المصالح الاقتصادية العالمية بدلًا من المواجهة العسكرية المباشرة.
لماذا يُعد الخليج هدفًا والممرات البحرية أدوات استراتيجية؟
يمثل الخليج أحد أهم مراكز إنتاج وتصدير الطاقة في العالم، إذ تنتج دوله مجتمعة نسبة كبيرة من النفط الخام عالميًا، وتشكل السعودية والإمارات والكويت وقطر والعراق وإيران نفسها محورًا رئيسيًا في إمدادات الطاقة للأسواق الدولية. هذا الثقل الإنتاجي يجعل المنطقة عنصرًا حاسمًا في استقرار الاقتصاد العالمي وأسعار الطاقة.
إلى جانب ذلك، يتميز الخليج بقربه الجغرافي من إيران، ما يجعله ساحة يسهل الوصول إليها نسبيًا مقارنة بأهداف أبعد، وهو ما يضاعف من أهميته في أي حسابات عسكرية أو استراتيجية.
الأهم من ذلك أن جزءًا كبيرًا من تجارة النفط العالمية لا يخرج عبر الإنتاج فقط، بل عبر الممرات البحرية الحيوية في المنطقة. يمر عبر مضيق هرمز وحده ما يقارب خُمس تجارة النفط العالمية المنقولة بحرًا، إضافة إلى نسبة كبيرة من صادرات الغاز الطبيعي المسال. كما يشكل مضيق باب المندب شريانًا رئيسيًا يربط الخليج وبحر العرب بالبحر الأحمر ثم قناة السويس، وهو ما يجعله ممرًا حاسمًا لحركة التجارة بين آسيا وأوروبا، حيث تمر عبره نسبة معتبرة من التجارة البحرية العالمية.
ضمن هذا الإطار، يصبح مفهوم “الهدف الرخو” واضحًا، وهو ليس الهدف العسكري الصلب الذي يتطلب احتلالًا أو مواجهة مباشرة، بل نقاط الضعف الاقتصادية الحيوية التي يؤدي تعطيلها إلى تأثيرات عالمية واسعة دون الحاجة إلى سيطرة ميدانية.
وبناءً على ذلك، تصبح أي ضغوط على دول الخليج أو على الممرات البحرية المحيطة بها بمثابة ضغط غير مباشر على الاقتصاد العالمي بأكمله، وهو ما يفسر إدراج منشآت النفط، وناقلات الطاقة، والممرات البحرية الحيوية ضمن قائمة الأهداف المحتملة داخل هذا المنطق الاستراتيجي.
استمرارية العقيدة رغم التغيرات
تُظهر التجربة الإيرانية أن هذه العقيدة الدفاعية الإيرانية لم تُبنَ حول شخصيات بعينها بقدر ما تم دمجها داخل البنية المؤسسية للدولة، خصوصًا داخل الحرس الثوري والمؤسسات الأمنية والعسكرية المرتبطة به. هذا الدمج جعلها أقرب إلى “نموذج تشغيل” ثابت يتم تناقله عبر الأجيال القيادية، بدلًا من كونها مجرد توجه سياسي ظرفي يتغير بتغير القيادات.
وقد ساعد على ذلك أن عملية صياغة العقيدة لم تكن لحظة واحدة، بل جاءت نتيجة تراكم طويل من التجارب الميدانية والصراعات الإقليمية، ما جعلها جزءًا من التفكير الاستراتيجي العام للدولة وليس مجرد قرار عسكري منفصل. لذلك، فإن التغيرات في القيادات أو حتى في البيئة السياسية الداخلية لم تؤدِ إلى تغيير جوهري في هذا الإطار، بل غالبًا ما كانت تعيد إنتاجه بصيغ أكثر تطورًا.
كما أن طبيعة هذه الاستراتيجية نفسها تعزز استمراريتها؛ فهي تقوم على تعدد الأدوات بدل الاعتماد على أداة واحدة، ما بين الصواريخ والطائرات المسيّرة والحرب غير المباشرة عبر الحلفاء الإقليميين. هذا التنوع في وسائل التنفيذ يمنحها قدرة عالية على التكيف مع الضغوط، سواء كانت عسكرية أو اقتصادية أو سياسية.
إضافة إلى ذلك، فإن اعتمادها على عمليات غير مباشرة وغير متماثلة يقلل من قابليتها للاحتواء أو الإيقاف السريع، لأن المواجهة لا تكون مع طرف واحد واضح، بل مع شبكة متعددة المستويات من الفاعلين والأدوات.
وبهذا الشكل، تتحول العقيدة الدفاعية الإيرانية إلى منظومة مرنة قادرة على الاستمرار حتى في ظل التصعيد أو فقدان بعض أدواتها، مع إمكانية إعادة التوازن بسرعة عبر أدوات بديلة داخل نفس الإطار الاستراتيجي.
الخاتمة
لا يمكن فهم سلوك إيران في استهداف الخليج دون النظر إلى العقيدة الدفاعية الإيرانية كإطار شامل يحدد أولوياتها وأدواتها.
هذه العقيدة لا تسعى إلى تحقيق نصر عسكري تقليدي، بل تهدف إلى جعل أي مواجهة مكلفة على المستوى الإقليمي والدولي، عبر التأثير على مفاصل الاقتصاد العالمي.
وبينما تستمر هذه المقاربة، يبقى الخليج في قلب معادلة استراتيجية أوسع، تتجاوز حدود الصراع المباشر لتصل إلى توازنات الاقتصاد والسياسة على مستوى العالم.
المشاهدات: 16