كيف يعمل صاروخ Burevestnik الروسي الجديد ذو المدى غير المحدود

لحظة اطلاق صاروخ "بوريفيستنيك" النووي الروسي الجديد.

أعلنت روسيا مؤخرًا عن نجاح اختبار صاروخ جديد يعمل بالطاقة النووية يسميى “بوريفيستنيك (Burevestnik)”، وقد أثار هذا الإعلان ضجة كبيرة في وسائل الإعلام، وترافق مع تصريحات رسمية لافتة. فقد قال الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إن الصاروخ يمتلك مدى غير محدود تقريبًا، وإنه طار لمدة 15 ساعة وقطع أكثر من 14 ألف كيلومتر.

هذا الخبر أثار اهتمامًا واسعًا ومخاوف متعددة، سواء من الناحية العسكرية أو البيئية، خصوصًا وأن التفاصيل الفنية الدقيقة لم تُكشف بعد، ولا تزال البيانات المستقلة غائبة لتأكيد ما تم الإعلان عنه.

ما الفائدة الاستراتيجية من مدى ومدة طيران طويلة؟

وجود صاروخ يستطيع الطيران لمسافات طويلة ولساعات عديدة يمنح القيادة العسكرية مرونة كبيرة في التخطيط للهجوم. حيث يمكن إطلاقه في وقت مبكر من العملية، ثم تغيير اتجاهه أو تأخير اقترابه من الهدف حتى اللحظة المناسبة. وهذه القدرة تجعل اعتراضه أكثر صعوبة، لأن الصاروخ قد يطير على ارتفاعات منخفضة أو يسلك مسارات غير متوقعة، مما يربك أنظمة الإنذار والدفاع الصاروخي.

كما أن مجرد الإعلان عن صاروخ بهذه القدرات يحمل رسالة سياسية ونفسية قوية، فهو يهدف إلى تعزيز الردع وإظهار تفوق الدولة تقنيًا واستراتيجيًا. لكنّ هذه المزايا النظرية لا تكتمل إلا إذا كان الصاروخ موثوق الأداء من حيث المحرك النووي وأنظمة التوجيه والتحكم بالانبعاثات الإشعاعية.

فكرة عمل المحرك النووي النفاث

لفهم الفكرة، علينا العودة إلى المبدأ الأساسي للمفاعلات النووية. فعادةً، ينتج المفاعل النووي حرارة نتيجة انشطار الذرات، وتُستخدم هذه الحرارة لتسخين الماء وتحويله إلى بخار يدير التوربينات — كما يحدث في المفاعلات التي تشغل السفن والغواصات النووية. أما في الصاروخ النووي النفاث فالأمر مختلف تمامًا: حيث لا يوجد ماء، بل يتم استخدام الهواء الخارجي نفسه. والهواء يمر عبر قلب المفاعل النووي الساخن فيسخن بسرعة كبيرة، فيتمدد ويخرج بقوة من فوهة العادم، مولدًا دفعًا هائلًا يجعل الصاروخ يطير بسرعة كبيرة ولفترات طويلة جدًا.

لكن هذه الفكرة تأتي بثمن بيئي خطير، لأن الهواء الذي يمر داخل المفاعل يخرج ملوثًا إشعاعيًا مباشرة في الغلاف الجوي. وتبرز هنا المعضلة التقنية الكبرى ففي الغواصات والسفن، هناك طاقم يمكنه مراقبة المفاعل وضبط أدائه يدويًا، لكن في الصاروخ لا يوجد أحد. والتحكم يتم بالكامل عبر أنظمة إلكترونية، وأي خلل فيها يمكن أن يؤدي إلى فشل التبريد وارتفاع حرارة المفاعل إلى حد الانصهار، مما قد يؤدي إلى انفجار أو كارثة إشعاعية.

لذلك اذا حاولت روسيا تطوير صاروخ من هذا القبيل فعليها تطوير نظام أكثر أمانًا يعتمد على تسخين الهواء بطريقة غير مباشرة ، أي عبر مبادل حراري ينقل الحرارة من قلب المفاعل دون أن يمر الهواء داخله. وتطوير سبائك جديدة مقاومة لدرجات الحرارة العالية، وتحسين أنظمة التبريد والتحكم الذاتي لتقليل خطر الانصهار أو التسرب الإشعاعي.

محاولات سابقة لتطوير محركات طيران نووية

الصاروخ الروسي ليس وحدة، ففي منتصف القرن العشرين، شهد العالم موجة من المشاريع الطموحة التي سعت إلى استغلال الطاقة النووية في الطيران والفضاء. كانت الفكرة آنذاك أن المفاعل النووي يمكن أن يمنح الطائرات والصواريخ مدى لا محدود تقريبًا. وأحد أشهر هذه المشاريع كان المشروع الأمريكي “Project Pluto” في أواخر الخمسينيات، والذي هدف إلى تطوير صاروخ أسرع من الصوت يعمل بمحرك رامجت نووي. وبالفعل تم بناء وتشغيل مفاعلات تجريبية على الأرض، مثل “Tory-IIA” و “Tory-IIC”، وأثبتت نجاحًا من حيث الفكرة. لكن المشروع واجه معارضة شديدة بسبب خطر العادم المشع، إذ إن الصاروخ كان سيطير فوق القارات مطلقًا إشعاعات في الجو، ما جعله تهديدًا بيئيًا وسياسيًا كبيرًا. وفي النهاية، أُوقف المشروع عام 1964 قبل أن يجري أي اختبار طيران فعلي.

محرك "Tory-IIC" الأمريكي العامل بالوقود النووي ؛ ويكيبيديا
محرك “Tory-IIC” الأمريكي العامل بالوقود النووي ؛ ويكيبيديا

وفي الوقت نفسه، عملت الولايات المتحدة على مشروع آخر هو “Aircraft Nuclear Propulsion” بالتعاون بين شركتي “Convair” و “General Electric” لتطوير طائرات نووية. وتم بالفعل بناء مفاعلات صغيرة وتجريبها على الأرض، بل وتعديل طائرة حقيقية كطائرة “Convair NB-36H” لحمل محركات تعمل بمفاعل تجريبي بقوة 1 ميغاواط لاختبار التدريع اللازم للطاقم. بغرض دراسة أنظمة الحماية من الإشعاع. لكن النتيجة كانت واضحة: فالمفاعل يحتاج إلى درع واقٍ ضخم وثقيل جدًا لحماية الطاقم من الاشعاع، بلغ وزن التدريع، المصنوع من الرصاص والمطاط حول قمرة القيادة، أكثر من 11 طن، وكانت النوافذ مغطاة بزجاج رصاصي بسمك 10 إلى 12 بوصة، ما جعل الطائرة غير عملية إطلاقًا.

أما في مجال الفضاء، فقد حققت برامج مثل “Rover” و “NERVA” تقدمًا أكبر، حيث تمكن العلماء من تشغيل محركات نووية حرارية فعليًا على الأرض، أظهرت كفاءة عالية وقدرة على توليد دفع مستمر يفوق المحركات الكيميائية التقليدية. ورغم هذه النجاحات، توقفت المشاريع في أوائل السبعينيات بسبب خفض ميزانية وكالة ناسا بعد برنامج أبولو، إلى جانب المخاوف من إطلاق مفاعلات نووية في الفضاء واحتمال سقوطها على الأرض في حال فشل الإطلاق.

مع مرور الوقت، تبين أن الطاقة النووية أكثر ملاءمة للبحر منها للجو. ففي السفن والغواصات يمكن بناء درع إشعاعي قوي وآمن داخل هيكل معدني كبير وتحت رقابة بشرية مباشرة. أما في الطائرات أو الصواريخ، فإن الوزن الكبير والتعقيد التقني وخطر التسرب الإشعاعي ما زالت تحديات ضخمة. لهذا بقيت معظم التطبيقات النووية العملية في المجال البحري فقط، بينما بقيت الفكرة في الطيران والفضاء ضمن حدود الأبحاث والتجارب المخبرية المحدودة.

خلاصة

إعلان روسيا عن اختبار صاروخ نووي جديد يفتح نقاشًا كبيرًا حول مستقبل الدفع النووي. الفكرة بلا شك مغرية من الناحية الاستراتيجية، لأنها تعد بقدرات هائلة على الردع والسيطرة الجوية، لكنها في الوقت نفسه تصطدم بعقبات تقنية وبيئية معقدة. التاريخ يُظهر أن الحرارة العالية والإشعاع والحاجة إلى حماية قوية كانت الأسباب الرئيسية لتوقف أغلب المشاريع السابقة. وإذا تمكنت روسيا فعلًا من حل هذه المشكلات، فسيكون ذلك إنجازًا تقنيًا ودبلوماسيًا ضخمًا، لكنه يحتاج إلى أدلة واضحة وبيانات مستقلة حول مدى نجاح الاختبار وسلامته البيئية. إلى أن تُنشر هذه البيانات، سيبقى الصاروخ النووي بين الخيال الهندسي والواقع العسكري، وبين الطموح الكبير والمخاطر الهائلة التي ترافقه.

المصادر

  1. موقع رويترز ؛ “Russia tested new nuclear-powered Burevestnik cruise missile” ؛ الرابط  https://www.reuters.com/world/china/russia-tested-new-nuclear-powered-cruise-missile-top-general-says-2025-10-26/
  2. الجارديان ؛ “Trump describes Russia’s new cruise missile test as ‘not appropriate'” ؛ الرابط https://www.theguardian.com/world/2025/oct/27/russia-cruise-missile-test-trump-putin
  3. موقع Asia Times ؛ “Russia’s Burevestnik shatters US homeland invulnerability” ؛ الرابط https://asiatimes.com/2025/10/russias-burevestnik-shatters-us-homeland-invulnerability-myth/
  4. موقع Asia Times ؛ “Russia’s ‘Flying Chernobyl’ missile heralds new nuke arms race” ؛ الرابط  https://asiatimes.com/2023/10/russias-flying-chernobyl-missile-heralds-new-nuke-arms-race/
  5. ويكيبيديا ؛ “Project Pluto — US nuclear ramjet project, 1957–1964 (Tory-IIA / Tory-IIC) ؛ الرابط https://en.wikipedia.org/wiki/Project_Pluto
  6. موقع War History ؛ “LTV SLAM – Project PLUTO” ؛ الرابط https://warhistory.org/%40msw/article/ltv-slam-project-pluto
  7. ويكيبيديا ؛ “Convair NB-36H — experimental aircraft that carried a reactor (Aircraft Nuclear Propulsion)” ؛ الرابط https://en.wikipedia.org/wiki/Convair_NB-36H
  8. Smithsonian Air & Space Quarterly ؛ “The World Wasn’t Ready for Nuclear-Powered Bombers ؛ الرابط https://airandspace.si.edu/air-and-space-quarterly/issue-14/nuclear-bomber
  9. وثيقة NASA / NTRS ؛ “An Historical Perspective of the NERVA Nuclear Rocket” ؛ الرابط https://ntrs.nasa.gov/api/citations/19910017902/downloads/19910017902.pdf
  10. موقع New York Post ؛ “Russia tested Poseidon nuclear torpedo / links to Burevestnik coverage ؛ الرابط https://nypost.com/2025/10/29/world-news/putin-announces-russia-tested-poseidon-nuclear-torpedo-which-can-destroy-cities-with-radioactive-tsunamis/

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *