في تأكيد رسمي على انطلاق أحد أبرز برامج بناء الزوارق البحرية في مصر، أعلنت شركة “NVL Egypt” المصرية بدء الإنتاج الفعلي لمشروع زوارق PV43-M لصالح القوات البحرية المصرية، وذلك عبر بيان نُشر على الحساب الرسمي للشركة على منصة LinkedIn. وأوضحت الشركة أن المشروع يُنفذ نيابة عن جمهورية مصر العربية، وبالتعاون مع ترسانة الإسكندرية، ويشمل بناء عشر قطع بحرية جديدة مخصصة للبحرية المصرية، في خطوة وصفتها بأنها محطة محورية لتعزيز القدرات البحرية ودعم صناعة بناء السفن محليًا من خلال نقل التكنولوجيا وتوظيف الخبرات الوطنية.
يمثل مشروع PV43-M امتدادًا لمسار واضح انتهجته القاهرة خلال السنوات الأخيرة، يقوم على تعظيم التصنيع المحلي في المجال البحري بالتوازي مع الشراكات الدولية. فقد لعبت ترسانة الإسكندرية دورًا محوريًا في عدد من البرامج الكبرى، أبرزها تصنيع ثلاث كورفيتات من فئة Gowind بالتعاون مع “Naval Group” الفرنسية، وتسليمها جميعًا للبحرية المصرية، إضافة إلى مشاركتها في برنامج الفرقاطات MEKO A200، حيث يجري استكمال تجهيز الفرقاطة الرابعة داخل مصر بعد بناء ثلاث وحدات في ألمانيا لدى شركة “ThyssenKrupp Marine Systems”.
ضمن هذا السياق، جاء التعاون مع مجموعة “Naval Vessels Lürssen (NVL)” الألمانية، التي تمتلك خبرة طويلة في تصميم وبناء زوارق الدورية والسفن القتالية الخفيفة، ليشكل حلقة جديدة في سلسلة برامج تستهدف رفع الجاهزية العملياتية للقوات البحرية المصرية، وتوسيع قاعدة المعرفة الصناعية الوطنية.
تصميم ومواصفات زوارق PV43-M المصرية
تعتمد زوارق PV-43 على تصميم مستوحى من زورق OOB-31 Omiš-class المستخدم لدى البحرية الكرواتية، مع إدخال تعديلات خاصة بطلب مصري. ويبلغ طول الزورق نحو 43 مترًا، بعرض أقصى يصل إلى 8 أمتار، ويعمل بمحركي ديزل يقودان عمودين للدفع، ما يمنحه سرعة قصوى تبلغ 27 عقدة عند الحمولة الكاملة. كما يصل مداه العملياتي إلى نحو 1100 ميل بحري عند سرعة إبحار اقتصادية تقدر بـ15 عقدة، وهو مدى مناسب لتنفيذ دوريات طويلة نسبيًا داخل المياه الإقليمية.
أما على صعيد الأنظمة الإلكترونية، فتتولى شركة Thales تزويد الزوارق بمعظم التجهيزات المتقدمة، بما في ذلك الرادار البحري، ومنظومة الحرب الإلكترونية، ونظام ربط البيانات Link-Y، إضافة إلى نظام إدارة القتال TACTICOS، ما يتيح لهذه الوحدات العمل ضمن شبكة قيادة وسيطرة متكاملة مع باقي قطع الأسطول البحري المصري.

ورغم تصنيفها كزوارق دورية، فإن النسخة المصرية من PV-43 تتمتع بتسليح يتجاوز المهام التقليدية. إذ جرى تزويدها بمدفع Marlin عيار 30 ملم يتم التحكم فيه عن بعد من إنتاج شركة “Leonardo” الإيطالية، إضافة إلى برجين عيار 12.7 ملم يتم التحكم فيهما عن بعد، مثبتين على جانبي السفينة قرب الجسر. التي يمكن أن تحصل عليها من شركة “العربية العالمية للبصريات (AIO)” المصرية، التي كشفت خلال معرض ايديكس 2025 عن نظام من هذا الفئة بالتعاون مع شركة “Escribano” الإسبانية.
الأبرز في هذا السياق هو تجهيز الزوارق بقاذفين مزدوجين لصواريخ مضادة للسفن من طراز MBDA Marte Mk2/N، ما يمنحها قدرة هجومية حقيقية ضد الأهداف السطحية، ويجعلها قادرة على دعم العمليات العسكرية، وليس فقط مهام المراقبة والشرطة البحرية.
استدعت إضافة هذا التسليح الصاروخي إجراء تعديلات جوهرية على التصميم الأصلي. فقد تم إلغاء الممر الخلفي المخصص لإطلاق زورق مطاطي كبير عبر منزلق خلفي، واستغلال المساحة لتركيب أنظمة التسليح. في المقابل، جرى الاحتفاظ بزورق مطاطي أصغر مثبت على الجانب الأيمن، يُطلق بواسطة رافعة، وقادر على نقل ما يصل إلى خمسة عناصر من القوات الخاصة، ما يعكس تركيزًا على عمليات التدخل السريع والمهام الخاصة.
قراءة تحليلية
من منظور استراتيجي، يعكس مشروع PV43-M توجهًا مصريًا واضحًا نحو سد الفجوة بين زوارق الدورية الخفيفة والسفن القتالية الثقيلة، عبر منصات متوسطة الحجم، متعددة المهام، وقابلة للتصنيع محليًا. فهذه الزوارق مناسبة للتعامل مع طيف واسع من التهديدات، بدءًا من التهريب والهجرة غير الشرعية، مرورًا بحماية منشآت الغاز والبنية التحتية البحرية، وصولًا إلى المشاركة في سيناريوهات قتالية محدودة داخل نطاق الساحل.
كما أن إعلان NVL Egypt عن بدء الإنتاج يسلط الضوء على البعد الصناعي للمشروع، إذ لا يقتصر على تزويد البحرية المصرية بوحدات جديدة، بل يسهم في نقل التكنولوجيا وبناء كوادر محلية قادرة على تنفيذ برامج أكثر تعقيدًا مستقبلًا. ووفقًا للجدول الزمني المعلن، من المنتظر تسليم أول زورق في عام 2026، على أن تُسلم جميع الوحدات العشر خلال خمس سنوات من تاريخ توقيع العقد.
في المحصلة، لا يمثل مشروع زوارق PV43-M مجرد إضافة عددية للأسطول المصري، بل خطوة نوعية تعزز مكانة مصر كقوة بحرية إقليمية، تجمع بين التحديث العملياتي، والتسليح المتقدم، والتصنيع المحلي، في وقت تتزايد فيه أهمية الأمن البحري ضمن معادلات القوة في شرق المتوسط والبحر الأحمر.













