أسيلسان: كيف حولت تركيا الحظر العسكري إلى سيادة تكنولوجية؟

لم تولد شركة “أسيلسان” من رحم المنافسة التجارية أو الطموح الصناعي التقليدي، بل من صدمة سيادية عميقة. ففي صيف عام 1974، وخلال العملية العسكرية التركية في قبرص، اكتشف الجيش حقيقة مريرة: أجهزة الاتصال الأمريكية مكشوفة، وضعيفة التشفير، مما تسبب في حوادث نيران صديقة مأساوية. لم تكن المشكلة في السلاح، بل في “اللسان” الذي يتحدث به الجيش.

ثم جاءت الضربة الأقسى بفرض حظر عسكري شامل، وجد الجيش نفسه معه يمتلك طائرات F-4 “فانتوم” ودبابات M-60 بلا قطع غيار أو أنظمة اتصال تعمل. في تلك اللحظة الحرجة، أدركت أنقرة درساً لن تنساه: الاستقلال السياسي لا يُمنح.. بل يُصنع في المصانع.

من التبرعات الشعبية إلى قرار الدولة

في 14 نوفمبر 1975، تأسست “شركة الصناعات الإلكترونية العسكرية (ASELSAN)” بإرادة صلبة، ولكن بموارد شحيحة. وهنا تجلت الروح القومية؛ حيث أطلقت “مؤسسة تعزيز القوات البرية” حملة تبرعات وطنية ساهم فيها الفلاح بمحصوله، والطفل بمدخراته. لم تكن مجرد جمع للأموال، بل كانت استفتاءً شعبياً على كرامة الأمة.

الهندسة العكسية وتفكيك التبعية قطعةً قطعة

واجهت أسيلسان في بدايتها تحدي “الخلايا الرمادية”؛ أي العقول القادرة على فك شفرات التكنولوجيا. عاد “الفدائيون التقنيون” من وادي السيليكون ومختبرات أوروبا، تاركين حياة الرفاهية ليعملوا في ظروف تقشفية بأنقرة.

كانت البداية مع جهاز اللاسلكي الأمريكي PRC-77. لم تكتفِ أسيلسان بتقليده، بل فككت آلاف القطع الإلكترونية، وأعادت تصميم “قلب” الجهاز بخوارزميات تشفير وطنية لا تتبع معايير المصنع الأجنبي. وبحلول عام 1985، لم يعد الجندي التركي “أخرس” في الميدان، وأدرك العالم أن سلاح الحظر بدأ يفقد مفعوله.

مقاتلة F-16 والتعلم

مع مطلع التسعينيات، اشترطت تركيا في صفقات التسليح الكبرى “المشاركة لا الشراء”. كانت مقاتلات F-16 هي المدرسة الكبرى؛ حيث انتقل مهندسو شركة أسيلسان من تصنيع أجهزة اللاسلكي إلى تصنيع إلكترونيات الطيران (Avionics) المعقدة، وبناء الحواسب المحمولة جواً وشاشات قمرة القيادة وفق معايير الجودة العالمية (MIL-SPEC). وهذا الانفتاح المدروس جعل شركة أسيلسان لاحقاً قادرة على تحديث أي طائرة بأنظمة تركية بالكامل.

نظام “كورال” ودروس الميدان

انتقلت شركة أسيلسان إلى مرحلة الرؤية ومنع العدو من الرؤية حين برز نظام KORAL للحرب الإلكترونية كأحد أكثر الأسلحة غموضاً وفعالية؛ حيث استطاع في عمليات حقيقية عزل بطاريات الصواريخ المعادية عن راداراتها، وخلق ثقوب سوداء في سماء المعركة سمحت للمسيرات بالتحليق دون رصد.

وعندما فُرض حظر كندي على نظام الاستشعار والتهديف الخاص بالمسيرات عام 2020، استدعت الشركة نظامها المحلي (CATS) وسرعت تطويره ليتفوق على البديل الغربي في دقة التتبع والتعدد الطيفي، مؤكدة أن الحصار لا يزيدها إلا استقلالاً.

رؤية 2030: ثورة تكنلوجيا الكم والذكاء الاصطناعي

اليوم، تدخل شركة أسيلسان نادي النخبة العالمي بتكنولوجيا “نتريد الغاليوم” (GaN)، التي تمنح الرادارات قوة أكبر بـ 10 أضعاف بحجم أصغر. وتوجت هذه الجهود بمشروع “القبة الفولاذية” (Steel Dome)، وهي “شبكة عصبية اصطناعية” تربط طبقات الدفاع الجوي بخوارزميات ذكاء اصطناعي تتخذ قرارات التصدي للتهديدات في أجزاء من الثانية.

الفرع المدني لشركة أسيلسان

لم يعد الأمن القومي محصوراً في الحدود؛ بل امتد للصحة والطاقة. نقلت أسيلسان خبراتها لإنتاج أول جهاز رنين مغناطيسي (MRI) تركي، وأنظمة إشارات السكك الحديدية، وحلول الطاقة الخضراء، ليوفر ذلك مليارات الدولارات من العملة الصعبة ويخدم المواطن في حياته اليومية.

الأرقام التي تتكلم 

  • جيش العقول: أكثر من 11,500 موظف، بينهم 6,500 مهندس متخصص.
  • الانتشار العالمي: صادرات إلى 92 دولة في 5 قارات.
  • الملاءة المالية: محفظة طلبات تتجاوز 16.5 مليار دولار.
  • المكانة: ضمن أفضل 45 شركة دفاعية في العالم.

السيادة ليست شعاراً

في الأخير قصة شركة أسيلسان هي حكاية تحول أمة من مستهلك مسلوب القرار إلى صانع يفرض شروطه. لقد أثبتت أن السيادة الحقيقية لا تُقاس بعدد الدبابات فحسب، بل بامتلاك العقل الذي يشغلها؛ فكل شيفرة، وكل رقاقة، وكل قرار تشغيل اليوم هو صناعة تركية. فالذي يصنع تقنيته بيده، لا يمكن لأحد أن يطفئها عنه.