أفاد موقع Military Africa بتاريخ 19 نوفمبر 2025، بأن السودان قد جدد محادثاته مع روسيا بهدف الحصول على طائرات Su-35 متعددة المهام. لتمكين القوات المسلحة السودانية من استعادة زمام المبادرة الجوية ضد تقدم قوات الدعم السريع وتعويض الخسائر الفادحة في بداية الحرب. غير أن التقرير يشير إلى أن هذه المفاوضات لا تنفصل عن المسعى الروسي الطويل الأمد لتأمين موطئ قدم بحري استراتيجي على البحر الأحمر، مما يجعلها صفقة معقدة تجمع بين الاحتياجات العسكرية الملحة والتنازلات الاستراتيجية بعيدة المدى.
ما مدى مصداقية الخبر والمصدر
موقع Military Africa هو موقع إلكتروني متخصص في الشؤون العسكرية والأمنية في القارة الأفريقية. بينما يتميز بتغطية مفصلة للأسلحة والتحالفات، فهو ليس وكالة أنباء رسمية كبرى مثل رويترز أو فرانس برس. ومصداقيته تتفاوت حسب دقة تقاريره السابقة في التكهن بالصفقات العسكرية، والتي قد تخلط بين المحادثات الأولية والعقود المبرمة فعلًا. وظهور الخبر فيه يعني أنه موجود في دائرة النقاش المتخصص، لكنه يحتاج إلى تأكيد من مصادر أولية (كبيانات حكومية) لاعتباره أمرًا واقعًا.
يستشهد التقرير بتصريحات لمسؤولين سودانيين مثل نائب القائد العام ياسر العطا ووزير الخارجية بالإنابة علي يوسف، مما يضفي عليه درجة من المصداقية. كما أنه يقدم تحليلًا تقنيًا وعسكريًا مفصلاً للطائرات، مما يشير إلى معرفة بالموضوع. ومع ذلك، فإنه يذكر تقارير سابقة عام 2017 عن صفقة Su-35 مع السودان والتي ثبت عدم دقتها، مما يفرض الحذر في التعامل مع الخبر الحالي كاحتمال قوي وليس كحقيقة مؤكدة.
الخبر ينسجم مع سياقين واضحين: فالجيش السوداني يعاني من ضعف جوي بعد خسارة مقاتلات MiG-29، ويواجه قوات دعم سريع تزداد قوتها وتحصيناتها. وروسيا تسعى بنشاط، عبر مجموعة فاغنر سابقًا وقنوات رسمية حاليًا، لتعزيز نفوذها في إفريقيا وتأمين منفذ بحري استراتيجي دافئ على البحر الأحمر.
لذا، يمكن القول إن الخبر ذو مصداقية متوسطة إلى عالية من حيث وجود مفاوضات أو رغبة سودانية في الصفقة، لكن التفاصيل النهائية كنوع الطائرة، والعدد، والتوقيت، والمقابل الاستراتيجي تبقى في إطار التكهنات حتى إعلان رسمي.
هل ستغير طائرات Su-35 مجرى الحرب على الأرض؟
لو تمت الصفقة بالفعل، فإن إدخال مقاتلات متطورة مثل Su-35 إلى ساحة الحرب السودانية يطرح سؤالاً جوهريًا: هل هي السلاح الحاسم في مواجهة حرب العصابات؟ التحليل يشير إلى أن تأثيرها سيكون محدودًا ومكلفًا، وربما لا يحقق التحول النوعي المنشود لأسباب كثيرة:
- عدم التطابق مع طبيعة الصراع (Mismatch): فالحرب في السودان هي في جوهرها حرب هجينة: معارك شوارع في المدن، وحرب عصابات متنقلة في الريف، واستخدام مكثف للدرونات والميليشيات. وقوات الدعم السريع لا تملك سلاح جو تقليدي ولا تشكل أهدافًا جوية واضحة. الطائرات المقاتلة المتطورة مصممة أساسًا لتحقيق التفوق الجوي في مواجهة طائرات معادية مماثلة، ولضرب أهداف ثابتة أو شبه ثابتة ذات قيمة استراتيجية عالية (مثل القواعد، والجسور، ومراكز القيادة. واستخدامها لقصف مجموعات متنقلة من الميليشيات هو إفراط تقني (Overkill) وغير اقتصادي وفعّاليتها محدودة.
- التحديات اللوجستية والميدانية الهائلة: فتشغيل طائرة من الجيل 4.5+ يتطلب بنية تحتية فنية متطورة، وقطع غيار معقدة، وفنيين مدربين على أنظمتها الإلكترونية المعقدة. السودان، في خضم حرب أهلية واقتصاد منهار، يفتقر بشدة إلى هذه البيئة. احتمال تعطيل الطائرات بسبب نقص الصيانة أو الأخطاء التشغيلية مرتفع جدًا. كما أن قدرة الطائرة على حمل أطنان من الذخيرة لا تعني شيئًا إذا لم تتوفر الذخائر الذكية المناسبة مثل القنابل الموجهة بدقة للاستخدام ضد أهداف متنقلة صغيرة. واستخدام ذخائر غير موجهة سيكون ذا دقة منخفضة ويسبب خسائر مدنية فادحة، مما يزيد من العزلة الدولية للحكومة.
- تزايد التهديدات الدفاعية: التقرير نفسه يذكر أن قوات الدعم السريع حصلت على أنظمة دفاع جوي محمولة (MANPADS) وأنظمة أكثر تطوراً مثل نظام FK-2000 الصيني. هذه الأنظمة تشكل تهديدًا مميتًا للطائرات المنخفضة والبطيئة نسبيًا أثناء مهام الدعم الجوي القريب. وخسارة واحدة من هذه الطائرات الباهظة الثمن ستكون ضربة إعلامية ومادية مدوية.
- وجود البدائل الأكثر فعالية وتوفيرًا: كطائرات الهجوم الأرضي الخفيفة والمروحيات: مثل طائرات Su-25 التي يمتلكها السودان بالفعل أو المروحيات الهجومية مثل Mi-24/35. وهي أقل تكلفة، وأكثر ملاءمة للطيران على ارتفاع منخفض، وأكثر قدرة على البقاء في بيئة مليئة بالتهديدات الأرضية، وأكثر فعالية في الدعم المباشر للقوات. والطائرات بدون طيار سواء المسلحة أو للاستطلاع والتوجيه. وهي الحل الأمثل لمطاردة القوات المتنقلة، بأقل كلفة ومخاطر على الطيارين، ويمكن أن توفرها دول مثل إيران أو تركيا أو حتى بشكل محلي الصنع.
- تعزيز القدرات البرية والاستخباراتية: قد يكون إنفاق المليارات على طائرات متطورة أقل فائدة من تدريب وتسليح فرق مشاة متماسكة، وتحسين الشبكة الاستخباراتية، وتأمين خطوط الإمداد.
#Sudan 🇸🇩: Sudanese Armed Forces released a new video of their attack on vehicles belonging to Rapid Support Forces (#RSF) with FPV Kamikaze drones.
The drones appear to be based on COTS UAVs, possibly armed with IEDs or small HE/AP explosives. pic.twitter.com/NI0JqCqheR
— War Noir (@war_noir) September 15, 2023
باختصار، بينما قد تمنح مقاتلات Su-35 الجيش السوداني تفوقًا نظريًا في السماء، فإنها غير قادرة على حل تعقيدات الحرب على الأرض. الأثر الحقيقي لهذه الصفقة سيكون في خريطة التحالفات والنفوذ في البحر الأحمر وشرق إفريقيا، أكثر منه في مصير معركة شارع في الخرطوم أو مدينة في دارفور. القرار السوداني، في النهاية، سيكون موازنة بين حاجة عسكرية ملحة وقد لا تكون هذه الطائرات حلها الأمثل وثمن استراتيجي طويل الأمد قد يغير وجه البلاد الإقليمي لعقود قادمة.
