منصة إعلامية متخصصة في الأخبار العسكرية وتقنيات الدفاع والتسليح، تقدّم تغطية شاملة وموثوقة لأحدث المستجدات في العالم العربي والدولي. يهدف الموقع إلى تزويد القرّاء بمحتوى تحليلي وعملي يجمع بين سرعة الخبر ودقة المعلومة.
أعلنت شركة “BAE Systems” البريطانية و شركة “Turkish Aerospace” التركية عن توقيع مذكرة تفاهم لإنشاء تحالف استراتيجي يستهدف تطوير أنظمة الطائرات بدون طيار، في خطوة من شأنها دمج الخبرات التكنولوجية بين العملاقين الدفاعيين.
وبموجب الاتفاقية، سيعمل خبراء من شركة “Turkish Aerospace” التركية جنباً إلى جنب مع خبراء الطيران القتالي في شركة “BAE Systems” البريطانية لاستكشاف الفرص المشتركة في مجال الأنظمة غير المأهولة، والاستفادة من المحافظ التقنية المتميزة لكلا الطرفين.
وصف ديف هولمز، المدير التنفيذي لقسم “فالكون ووركس” في شركة “BAE Systems” البريطانية هذه الخطوة بأنها “بداية تحالف عمقي وذو معنى بين المنظمتين”، مشيراً إلى أن كل طرف يجلب مهارات وقدرات تكاملية، بالإضافة إلى محفظة قوية من الأصول غير المأهولة التي يمكن توظيفها لتقديم حلول مقنعة وفعالة من حيث التكلفة.
بدوره، أكد الدكتور محمد دمير أوغلو، الرئيس التنفيذي في شركة “Turkish Aerospace” التركية، أن “الاتفاقية تبني على العلاقة القوية القائمة بين الشركتين، وستسمح برفع قدرات الأنظمة غير المأهولة المُثبتة بالفعل إلى آفاق جديدة”، معرباً عن تطلعه لاستكشاف سبل تسريع التقدم وفرص السوق الجديدة في هذا المجال.
شهدت العلاقات الدفاعية بين تركيا والمملكة المتحدة منعطفًا استراتيجيًا مهمًا في نهاية أكتوبر 2025، حين تم توقيع اتفاق ضخم بقيمة ثمانية مليارات جنيه إسترليني (نحو 10.7 مليارات دولار) لتوريد عشرين مقاتلة متعددة المهام من طراز “Typhoon Tranche 4” إلى سلاح الجو التركي، مع حزمة دعم وتكامل تسليحي وتدريب متكاملة تمتد لسنوات.
وتعد هذه الصفقة الأكبر في تاريخ الصادرات الدفاعية البريطانية خلال العقدين الماضيين، كما تمثل أول عملية بيع رئيسية لمقاتلات “Typhoon” منذ عام 2017، وهو ما يمنحها بعدًا سياسيًا واقتصاديًا وصناعيًا يتجاوز الطابع العسكري البحت.
البحث عن بدائل بعد استبعادها من برنامج F-35
تأتي هذه الخطوة بعد أعوام من التوتر بين أنقرة وواشنطن، إذ أُقصيت تركيا عام 2019 من برنامج المقاتلة الأمريكية “F-35” بسبب شرائها منظومة الدفاع الروسية “S-400“. ومنذ ذلك الحين، تسعى تركيا إلى تنويع مصادر تسليحها وتخفيف اعتمادها على الولايات المتحدة عبر البحث عن بدائل أوروبية أو محلية وهو.
وبالنظر إلى أن مقاتلة الجيل الخامس التركية الوطنية “KAAN“ لا تزال في مراحل التطوير، فقد كان لا بد من إيجاد حل مؤقت يسد الفجوة في القدرات الجوية خلال السنوات المقبلة، فكانت مقاتلة “Typhoon” خيارًا مثاليًا من حيث الجاهزية والقدرة والتوافق مع منظومات حلف الناتو.
على صعيد العلاقات مع الولايات المتحدة، تواصل تركيا منذ عام 2022 مفاوضاتها مع واشنطن بشأن صفقة تحديث وشراء طائرات “F-16 Block 70” ، التي تشمل 40 مقاتلة جديدة وأكثر من 70 مجموعة تحديث لأسطولها الحالي.
ورغم أن إدارة الرئيس الأمريكي وافقت مبدئيًا على المضي قدمًا في الصفقة عقب مصادقة البرلمان التركي على انضمام السويد إلى الناتو، فإن تنفيذها العملي لا يزال بطيئًا بفعل اعتراضات متكررة من الكونغرس الأمريكي، الذي يربط التسليم بمسائل سياسية تتعلق بسلوك أنقرة الإقليمي وحقوق الإنسان. ومع ذلك، تحافظ تركيا على خيار “F-16” كمسار موازٍ لتعزيز جاهزية قواتها الجوية على المدى القصير، دون اعتباره بديلًا عن تطوير برنامجها الوطني أو شراكاتها الأوروبية الجديدة.
أما في ما يخص برنامج “F-35″، فلا تزال تركيا تتعامل معه كملف مغلق سياسيًا رغم محاولات دبلوماسية متكررة لإعادة إدماجها فيه. فأنقرة ترى أن استبعادها كان قرارًا سياسيًا أكثر منه فنيًا، وأنها دفعت ثمنًا اقتصاديًا جسيمًا بعد إقصائها من خطوط الإنتاج التي كانت تشارك فيها بما قيمته أكثر من تسعمائة مليون دولار. ومع استبعاد فرص العودة القريبة إلى البرنامج، تركز تركيا حاليًا على مشروع “KAAN” المحلي، وتعتبر صفقة “Typhoon” جسرًا استراتيجيًا يوفر لها مظلة قتالية متقدمة خلال فترة الانتقال نحو الاستقلال الصناعي الكامل في مجال الطيران العسكري.
المكاسب البريطانية والتحفظ الألماني ودوافعه السياسية
بالنسبة للمملكة المتحدة، تشكل الصفقة إنقاذًا حقيقيًا لخط إنتاج “Typhoon” وضمانًا لمستقبل عشرات الآلاف من العاملين في قطاع الصناعات الدفاعية. إذ تضمن الاتفاق توفير نحو عشرين ألف وظيفة في منشأت بريطانية مختلفة، مع حصة بريطانية تبلغ سبعة وثلاثين في المئة من مكونات الطائرة. كما تمنح هذه الصفقة لندن فرصة لتأكيد مكانتها كقوة صناعية وأمنية أوروبية بعد خروجها من الاتحاد الأوروبي، وتُبرز دورها كوسيط دفاعي مرن قادر على إبرام شراكات ثنائية خارج البنية البيروقراطية الأوروبية.
ورغم أن “Typhoon” مشروع مشترك بين أربع دول أوروبية هي بريطانيا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، فإن المفاوضات بشأن الصفقة التركية واجهت عقبات كبيرة بسبب التحفظ الألماني. فقد كانت برلين مترددة في منح الموافقة المطلوبة على تصدير المكونات المشتركة بسبب مخاوف سياسية وأخلاقية تتعلق بدور تركيا في النزاعات الإقليمية في سوريا والعراق، إضافة إلى التوتر في العلاقات الثنائية بين البلدين. غير أن ضغوط لندن وإيطاليا أفضت في منتصف عام 2025 إلى قرار من مجلس الأمن الفيدرالي الألماني يقضي بالسماح بإتمام الصفقة، وإن مع امتناع ألمانيا عن المشاركة المباشرة في تنفيذها أو تدريب كوادرها. كما تخشى برلين من أن يؤدي تمدد بريطانيا في تصدير المقاتلة بمفردها إلى اختلال توازن النفوذ داخل الكونسورتيوم الأوروبي، خصوصًا مع تركيز لندن على مشروع المقاتلة المستقبلية “GCAP” بالتعاون مع اليابان وإيطاليا.
الأبعاد السياسية والعسكرية داخل الناتو
تحمل الصفقة أبعادًا سياسية وعسكرية واضحة تتجاوز المصلحة الاقتصادية للطرفين، إذ تمثل عودة تدريجية لتركيا إلى دائرة الثقة الأطلسية بعد أعوام من التوتر مع الولايات المتحدة.
ومن منظور الناتو، فإن امتلاك تركيا مقاتلات حديثة من طراز تايفون يضمن استمرار قدرات الردع الجوية في جناح الحلف الجنوبي الممتد من البلقان إلى الشرق الأوسط.
كما أن الصفقة تمنح أنقرة وسيلة لتوازن القوة في شرق المتوسط، حيث تمتلك اليونان مقاتلات “رافال” فرنسية ونسخًا مطوّرة من “F-16 Viper”، في حين تحتاج تركيا إلى تحديث أسطولها القديم من مقاتلات “F-4” و “F-16” القديمة.
جدول التسليم والمفاوضات مع قطر وعُمان لتسريع التسليم
وتبلغ القيمة الإجمالية للعقد ثمانية مليارات جنيه، منها 5.4 مليارات مخصصة للطائرات نفسها وأنظمة التسليح والتكامل مع المنظومات التركية، و 2.6 مليار لدعم التدريب والصيانة طويلة الأمد. ومن المقرر أن تبدأ عمليات التسليم عام 2030، بينما يتوقع أن تدمج تركيا أسلحتها المحلية مثل صواريخ “SOM-J” و “Bozdoğan” و “Gökdoğan” ضمن تسليح المقاتلات الجديدة، بما يعزز استقلالية قرارها التشغيلي.
صاروخ “Bozdoğan” و “Gökdoğan” جو-جو ؛ معرض IDEF 2019 في إسطنبول ؛ الصورة من ويكيبيديا
ونظرًا لتأخر التسليم حتى عام 2030، تسعى أنقرة إلى تسريع دخول الطائرة إلى الخدمة عبر شراء طائرات مستعملة من قطر وعُمان. وتشير التقارير إلى إمكانية حصول تركيا على 24 مقاتلة إضافية مناصفة بين الدولتين، وهو ما يتيح لها البدء في تدريب الطيارين والفنيين قبل وصول الطائرات الجديدة. الموقف القطري يبدو مرنًا سياسيًا بحكم العلاقة الوثيقة بين الدوحة وأنقرة، خصوصًا مع توجّه قطر إلى تقليص اعتمادها على هذا الطراز لمصلحة توسيع أسطولها من “رافال” و “F-15”. غير أن هذه الصفقة تظل بحاجة إلى موافقة بريطانية رسمية نظرًا لحقوق التصنيع والبرمجيات المرتبطة بالطائرات، ما يجعلها في النهاية اتفاقًا ثلاثي الأطراف بين قطر وتركيا والمملكة المتحدة.
تحول في سوق المقاتلات وإعادة تموضع استراتيجي في سماء أوروبا
في السياق الأوروبي الأوسع، تتزامن هذه الصفقة مع حراك جديد في سوق المقاتلات داخل القارة، إذ وقّعت البرتغال مذكرة تفاهم مع شركة “إيرباص” لبحث استبدال أسطولها من طائرات “F-16” بمقاتلات “Typhoon”، في حين أعلنت ألمانيا في أكتوبر 2025 عن شراء عشرين مقاتلة من الجيل الخامس من المعيار (Tranche 5) ضمن حزمة دفاعية جديدة. هذه التطورات تعكس عودة المقاتلة الأوروبية إلى الواجهة بعد سنوات من هيمنة الطرازات الأمريكية على السوق.
وتُظهر الصفقة في مجملها تلاقي مصالح متعددة: فتركيا تسعى إلى سد الفجوة في قدراتها الجوية وتخفيف اعتمادها على الولايات المتحدة، وبريطانيا تبحث عن إنعاش صناعاتها الدفاعية وتأكيد مكانتها في ما بعد البريكست، وأوروبا ترى فيها خطوة لتعزيز الجناح الجنوبي لحلف الناتو. كما أنها تمثل جسرًا مؤقتًا بين الحاضر والمستقبل بالنسبة لأنقرة، إذ تمنحها قدرة جوية متطورة حتى دخول مقاتلتها الوطنية «كاان» الخدمة التشغيلية في أواخر العقد الحالي.
وفي النهاية، لا تُختزل صفقة “Typhoon” بين تركيا والمملكة المتحدة في كونها اتفاق تسليح فقط، بل هي إعادة تموضع استراتيجي يعيد رسم خريطة التعاون الصناعي والعسكري في أوروبا، ويؤكد أن توازنات القوة الجوية في القارة مقبلة على مرحلة جديدة من التعددية والتحول.