صفقة السلاح الباكستانية للجيش الليبي: تحولات النفوذ العسكري والإقليمي في ليبيا

بحسب أربعة مصادر مطلعة لصحيفة رويترز، توصلت باكستان إلى اتفاق مبدئي تتجاوز قيمته 4 مليارات دولار لبيع معدات عسكرية إلى الجيش الليبي، في واحدة من أكبر صفقات السلاح في تاريخ إسلام آباد. وتشمل الصفقة، وفقًا للمصادر، معدات برية وبحرية وجوية، من بينها مقاتلات JF-17 المطورة بالشراكة مع الصين، إلى جانب طائرات تدريب ومنظومات دعم فني ولوجستي، على أن يتم تنفيذها على مراحل تمتد لنحو عامين ونصف.

وتأتي هذه الصفقة ضمن صفقة السلاح الباكستانية للجيش الليبي في ظل بيئة ليبية معقدة سياسيًا وأمنيًا، ومع استمرار حظر السلاح المفروض على البلاد منذ عام 2011، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول أبعاد الصفقة وتداعياتها الإقليمية.

 زيارة بنغازي: حلقة جديدة في التعاون العسكري

الصفقة لم تأتِ من فراغ، بل جاءت تتويجًا لمسار من الاتصالات العسكرية رفيعة المستوى بين الجانبين. فقد زار المشير عاصم منير، قائد الجيش الباكستاني، مدينة بنغازي خلال ديسمبر الجاري، حيث التقى المشير خليفة بالقاسم حفتر، قائد الجيش الليبي.

وتأتي هذه الزيارة بعد زيارة سابقة لصدام حفتر إلى باكستان قبل عدة أشهر، جرى خلالها بحث التعاون في مجالات التدريب، وبناء القدرات، والتصنيع العسكري المشترك، ما يشير إلى أن المباحثات الحالية ليست طارئة، بل امتداد لتفاهمات أقدم جرى الإعداد لها بهدوء.

وخلال لقاء جمع عاصم منير وصدام حفتر على هامش الزيارة الأخيرة، صرّح قائد الجيش الباكستاني بأن أي تكنولوجيا أو منظومات عسكرية تطلبها ليبيا ستكون “على أبواب القيادة العامة فورًا”، في رسالة تعكس رغبة واضحة لدى إسلام آباد في لعب دور داعم ومحوري داخل المؤسسة العسكرية الليبية.

التوسع الباكستاني في الشرق الأوسط

تندرج الصفقة المحتملة مع ليبيا ضمن استراتيجية أوسع لباكستان تهدف إلى التوسع في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، وملء جزء من الفراغ الذي خلّفته القيود الغربية على تصدير السلاح لبعض الدول.

وخلال الفترة الأخيرة، عززت باكستان علاقاتها العسكرية مع دول الخليج، وعلى رأسها السعودية، حيث وقّع الطرفان اتفاقية دفاع مشترك استراتيجية، شملت التدريب، وتبادل الخبرات، والتعاون الصناعي العسكري.
لا يتوفر وصف للصورة.

وتسعى إسلام آباد إلى تسويق صناعتها الدفاعية داخل العالم الإسلامي، باعتبارها بديلًا أقل تكلفة وأكثر مرونة من السلاح الغربي، مع غياب الشروط السياسية الصارمة، وهو ما يجعل منتجات مثل مقاتلة JF-17 جذابة لدول تعاني من قيود أو ضغوط دولية.

العقبات القانونية: حظر السلاح في ليبيا

رغم الطموح الباكستاني، تواجه الصفقة عقبة رئيسية تتمثل في حظر التسليح المفروض على ليبيا بموجب قرارات مجلس الأمن الدولي. إذ يتطلب أي نقل للسلاح أو المعدات العسكرية الحصول على موافقة مسبقة من الأمم المتحدة.

ورغم أن تقارير أممية حديثة وصفت الحظر بأنه “غير فعّال”، مع استمرار تدفق السلاح إلى أطراف ليبية مختلفة، إلا أن الإعلان عن صفقة بهذا الحجم قد يضع باكستان والجيش الوطني الليبي تحت مجهر رقابي دولي، ويثير اعتراضات سياسية وقانونية من أطراف عدة.

صفقة السلاح الباكستانية للجيش الليبي: الأثر العسكري.

عسكريًا، من شأن هذه الصفقة – إن تم تنفيذها – أن تُحدث نقلة نوعية في قدرات الجيش الوطني الليبي، خاصة على مستوى سلاح الجو، الذي يعاني من محدودية الإمكانيات الفنية والتكنولوجية.

فمقاتلات JF-17، رغم تصنيفها كخيار اقتصادي، توفر قدرات متعددة المهام، وتمنح الجيش الليبي مرونة أكبر في العمليات الجوية، والاستطلاع، والدعم الأرضي، إلى جانب تحسين منظومة التدريب ورفع كفاءة الكوادر العسكرية.
جيه إف-17 ثاندر - ويكيبيديا

كما أن التعاون في مجالات التدريب والتصنيع قد يسهم في إعادة هيكلة وبناء مؤسسة عسكرية أكثر تنظيمًا على المدى المتوسط.

في سياق متصل… تركيا تجدد وجودها العسكري غرب ليبيا

بالتزامن مع التحركات الباكستانية في شرق ليبيا، وافق البرلمان التركي على تمديد مهام القوات التركية في ليبيا لمدة عامين إضافيين، اعتبارًا من 2 يناير المقبل، بعد مناقشة الموازنة العامة والمذكرة المقدمة من رئاسة الجمهورية. وصوتت غالبية الأحزاب البرلمانية لصالح المذكرة، فيما رفضها حزب ديم الكردي، معتبرًا أن ليبيا تحولت إلى “ساحة صراع بين قوى دولية”.

وأكدت أحزاب أخرى أن القرار يعكس الحقائق الجيوسياسية لتركيا وعمقها الاستراتيجي في شمال أفريقيا، مع التأكيد على ضرورة حماية الجنود وعودة القوات سالمة. ويأتي هذا التمديد ضمن جهود تركيا لدعم الحكومة الليبية في طرابلس منذ 2019، وتأمين مصالحها في شرق المتوسط، وسط استمرار حالة الاستقطاب العسكري بين شرق وغرب ليبيا وتداخل الأدوار الإقليمية.

دلالات الصفقة الباكستانية في ظل التصعيد الإقليمي

في هذا السياق، تكشف صفقة السلاح الباكستانية المحتملة مع الجيش الوطني الليبي عن تحول لافت في خريطة النفوذ العسكري داخل ليبيا، كما تعكس اتساع نطاق الشراكات الاستراتيجية التي ينخرط فيها الجيش، والتي لم تعد تقتصر على دول الجوار أو الإطار الإقليمي المباشر، بل امتدت إلى قوى عسكرية وصناعية أبعد جغرافيًا.

ويشير هذا التحول إلى أن هذه الشراكات لم تعد ذات طابع أمني أو عسكري فقط، بل باتت تشمل أبعادًا اقتصادية وسياسية، إلى جانب نقل التكنولوجيا، والتصنيع العسكري، وبناء القدرات، في محاولة لتعزيز الاستقلالية الاستراتيجية للمؤسسة العسكرية الليبية على المدى المتوسط.

وتكتسب هذه التحركات أهمية مضاعفة، لا سيما مع تمديد تركيا لاتفاقية نشر قواتها في غرب ليبيا، وهو ما يعكس استمرار حالة الاستقطاب العسكري الإقليمي داخل البلاد، ويدفع مختلف الأطراف الليبية إلى البحث عن تحالفات أوسع وأكثر توازنًا في مواجهة تعقيدات المشهد الداخلي وصراع النفوذ المتصاعد. لكن يبقى التساؤل قائمًا: هل سيؤدي التواجد الباكستاني في شرق ليبيا إلى صدام مع السياسة التركية في الغرب، أم أن العلاقات القوية بين أنقرة وإسلام آباد ستسمح لهما بالتوصل إلى تفاهمات تنسجم مع مصالح الطرفين؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *