اسرائيل تعلن تشغيل نظام الليزر عالي الطاقة Iron Beam وتغير معادلة الدفاع في الشرق الأوسط

اسرائيل تعلن تشغيل نظام الليزر عالي الطاقة Iron Beam وتغير معادلة الدفاع في الشرق الأوسط

اعلن رئيس مديرية البحث والتطوير في وزارة الدفاع الاسرائيلية “داني غولد” عن تسليم نظام الليزر عالي الطاقة Iron Beam الى الجيش الاسرائيلي رسميا في نهاية الشهر الجاري، وتحديدا في 30 ديسمبر 2025، بعد اكتمال جميع مراحل التطوير والاختبار اللازمة. وجاء الاعلان خلال مؤتمر “DefenseTech Summit” في تل ابيب، حيث اكد “داني غولد” ان النظام حصل بالفعل على جاهزية تشغيلية اولية، وان الجهود بدأت بالتوازي لتطوير “الجيل التالي” من منظومات الليزر الاعتراضية. وتشير التفاصيل الرسمية الى ان نموذجا منخفض القدرة من المنظومة استخدم — وفق المصادر الاسرائيلية — لاسقاط نحو 35 طائرة مسيرة اطلقها حزب الله على شمال اسرائيل خلال حرب لبنان الاخيرة، لكن طبيعة هذا الاستخدام لا تزال غير واضحة بالكامل، وما اذا كان يرقى الى عمليات قتالية كاملة ام مجرد اختبار ميداني محدود بظروف معينة.

وبحسب ما نشرته صحيفة The Times of Israel، فان المنظومة التي تطورها شركة رفائيل لن تستخدم كبديل عن الدفاعات التقليدية مثل القبة الحديدية ومقلاع داوود ومنظومة حيتس، بل ستعمل كمكمل لها عبر اعتراض المقذوفات الصغيرة والمسيرات بتكلفة منخفضة نسبيا، طالما توفرت الطاقة اللازمة لتشغيل الليزر. ورغم الحماس الكبير الذي تبديه وزارة الدفاع الاسرائيلية، يقر المسؤولون بان المنظومة لا تعمل بكفاءة في ظروف الرؤية المنخفضة مثل الغيوم الكثيفة والضباب. كما استعرضت شركة “رفائيل” في معرض باريس الدولي نسخا متعددة من النظام، بينها النسخة المتنقلة “Iron Beam M” والنسخة الخفيفة “Lite Beam”، ما يعكس توجها نحو نشر الليزر الدفاعي على منصات برية متنوعة.

ما هو نظام الليزر عالي الطاقة Iron Beam؟

يعد نظام Iron Beam اول نظام دفاع جوي معتمد على الليزر عالي الطاقة يدخل مرحلة التشغيل الفعلي في العالم. وتطوره شركة رفائيل الإسرائيلية منذ عام 2014 بهدف اعتراض التهديدات قصيرة المدى مثل الطائرات المسيرة وصواريخ الكاتيوشا وقذائف الهاون. يعتمد النظام على حزمة ليزر قدرة تتجاوز 100 كيلوواط، تعمل على تسخين الهدف الى حد تعطيله او تدميره خلال ثوان. ويتميز بان تكلفة كل عملية اعتراض شبه معدومة مقارنة بالصواريخ التقليدية، طالما توفرت الطاقة الكهربائية اللازمة. ويجري تصميم المنظومة للعمل كطبقة مكملة للقبة الحديدية ومنظومات الدفاع الاعتراضي الاخرى، وليس كبديل لها.

ماذا يعني هذا التطور؟

يعد هذا التطور تحولا جذريا في فلسفة الدفاع الجوي منذ الحرب الباردة. فلطالما اعتمدت الجيوش على صواريخ اعتراضية باهظة الثمن كحل رئيسي لاسقاط التهديدات الجوية. ومع انتشار المسيرات الرخيصة مؤخرا، ظهرت فجوة ضخمة بين كلفة التهديد وكلفة الاعتراض، ما جعل دولا كثيرة عاجزة عن الاستمرار في الدفاع طويل الامد.

ففي المواجهات الاخيرة، تعرضت اسرائيل لموجات متتالية من المسيرات والقذائف من غزة ولبنان واليمن والعراق وايران، وكانت تكاليف الاعتراض تضغط على الخزينة وعلى المخزون العسكري. فجاء نظام Iron Beam ليقلب المعادلة، حيث اصبحت تكلفة اسقاط التهديد اقل من تكلفة اطلاقه. وهذا التحول يعني ان توازن الردع لم يعد عسكريا فقط، بل اقتصاديا ايضا — وهو عنصر شديد التاثير على مسارات الصراع في الشرق الاوسط وخارجه.

كما ان الليزر يمتاز بانه يتحرك بسرعة الضوء، ما يمنح القدرة على تنفيذ اعتراض لحظي تقريبا واصابة الهدف فور اكتشافه، وتكرار الضربات بلا زمن اعادة تلقيم، مع تصحيح مستمر للاخطاء في الزمن الحقيقي. وتقول مصادر عسكرية ان المنظومة قادرة على اعتراض نسبة كبيرة من التهديدات في مناطق حدودية او نقاط متقدمة قريبة جدا من مصادر اطلاق النار. وفي هذه الحالة، يجري التعامل مع المقذوفات او المسيرات خلال ثوان من اطلاقها، فوق مناطق التماس او المناطق العازلة التي تسيطر عليها اسرائيل ميدانيا.

نضوج سلاح الليزر تاثيرات مباشرة على القدرات الهجومية

منذ ثمانينيات القرن الماضي، كانت فكرة الدفاع الليزري توصف بانها “سلاح المستقبل”، لكنها بقيت تفشل عند التطبيق بسبب التشتت الجوي والرطوبة والضباب ومحدودية الطاقة الكهربائية ومشاكل التبريد وصعوبة دمج المنظومة في شبكة قتالية ومحدودية قدرة انظمة التتبع. لكن الاعلان الاسرائيلي الجديد يعني ان هذه التحديات قد حلت — بدرجة كافية للنشر الميداني — وان اسرائيل اصبحت اول دولة في العالم تنجح في تشغيل منظومة ليزر عاملة وليست تجريبية.

ورغم ان النظام يصنف دفاعيا في الاساس، الا ان تاثيره يمتد بشكل واضح الى القدرات الهجومية الاسرائيلية. فهو يوفر صواريخ الاعتراض الباهظة للتهديدات عالية الخطورة، ويتيح اعادة توجيه ميزانيات مهمة الى الذراع الهجومية، ويزيد من ساعات التشغيل الجوي للطائرات، كما يعزز قدرة الجيش على تنفيذ عمليات برية موسعة دون الخوف من استنزاف الدفاعات الجوية. وبشكل عملي، يمكن ان يمنح الجيش الاسرائيلي حرية اكبر في تنفيذ عمليات عمق او عمليات تطويق دون القلق من تعرضه لهجمات قصف مكثف قد تستهلك صواريخ الاعتراض التقليدية بشكل سريع. وبهذا يتحول Iron Beam الى مضاعف قوة حقيقي، وليس مجرد طبقة دفاعية اضافية.

تداعيات اقليمية ودولية تحديات ما تزال قائمة

من المتوقع ان يقود دخول هذا النظام الى سباق تسلح جديد، خصوصا لدى الولايات المتحدة والصين وروسيا وتركيا والهند. فهذه القوى تعمل بالفعل على تطوير اسلحة طاقة موجهة، لكنها لا تزال بعيدة عن مرحلة النشر العملياتي الواسع. اما اقليميا، فسيكون على الجيوش والميليشيات التي تعتمد على “الاغراق الصاروخي” مراجعة تكتيكاتها. فالمسيرات الرخيصة قد تفقد فعاليتها، والصواريخ البدائية لن تبقى اداة استنزاف فعالة كما كانت. كما يعزز هذا التطور مكانة اسرائيل كمركز عالمي متقدم في تكنولوجيا الدفاع، في ظل سباق عالمي متسارع نحو الاسلحة الذكية، والذكاء الاصطناعي، والانظمة الكهرومغناطيسية.

رغم هذا الانجاز، لا تزال هناك عقبات مهمة، ابرزها تاثير الطقس؛ فالليزر حساس للرطوبة والضباب والعواصف، حتى مع التطور الكبير في تقنيات البصريات التكيفية. كما يظل ضعيفا امام الصواريخ الباليستية الثقيلة، مما يعني استمرار الاعتماد على منظومات مثل “حيتس”. وتدرس بعض الجيوش امكانية تطوير مضادات لليزر مثل الطلاءات العاكسة او تعزيز الهياكل او تدوير المسيرة لتوزيع الحرارة على كامل الجسم، لكن معظم هذه الحلول لا تزال نظرية او قيد الاختبار. كما ان هجمات الاسراب الضخمة قد تفوق قدرة المنظومة على الاستجابة، خصوصا في حال كانت منسقة او منخفضة الارتفاع بكثافة عالية.
هذه التحديات تعني ان Iron Beam ليس “سلاحا سحريا”، بل طبقة ضمن منظومة دفاعية متعددة المستويات.

هذا ويمثل نشر Iron Beam بداية عصر جديد في الدفاع الجوي، ليس لاسرائيل وحدها، بل للعالم كله. فهو يغير المعادلة الاقتصادية للصراع، ويقدم قدرة شبه لحظية في الاعتراض، ويحور الليزر من مجرد فكرة واعدة الى سلاح فعلي في ساحة المعركة. وعلى الرغم من التحديات التقنية والعملياتية التي لا تزال قائمة، فان ما حدث يفتح الباب امام سباق عالمي جديد في تكنولوجيا الطاقة الموجهة، وقد يعيد رسم ملامح المواجهات العسكرية في السنوات القادمة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *