كوريا الشمالية تعرض أول غواصة نووية محلية الصنع
في تطور لافت ضمن مسار البرنامج النووي العسكري لكوريا الشمالية، أعلنت بيونغ يانغ عن تشكيل أول فيلق لغواصة نووية ومزودة بصواريخ موجهة، في خطوة قد تمثل تحولًا نوعيًا في قدراتها البحرية النووية. وجاء الإعلان خلال زيارة أجراها الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون إلى حوض بناء السفن في بونغديه (Pongdae Shipyard)، حيث عُرضت عليه الغواصة قيد الإنشاء، وفق ما أفادت به وكالة الأنباء المركزية الكورية الشمالية.
وبحسب وكالة الأنباء الرسمية KCNA، فإن الغواصة الجديدة توصف بأنها غواصة استراتيجية تعمل بالطاقة النووية بوزن إزاحة يقدّر بنحو 8,700 طن، ولا تزال حاليًا في مرحلة البناء. وأشارت الوكالة إلى أن كيم جونغ أون تفقد خلال الزيارة هيكل الغواصة والفراغات الداخلية، في ما وصفته بأنه تفقد ميداني يعكس الأهمية التي توليها القيادة الكورية الشمالية لمشروع “تسليح البحرية نوويًا”، والذي اعتبره كيم ضرورة ملحّة في ظل ما وصفه بتدهور البيئة الأمنية حول شبه الجزيرة الكورية.
وتزامن الإعلان مع تصعيد سياسي واضح، إذ انتقد الزعيم الكوري الشمالي الخطوات الأخيرة لكل من الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية، ولا سيما دعم واشنطن لمشروع سيول الخاص بالغواصات العاملة بالطاقة النووية، معتبرًا ذلك تهديدًا مباشرًا للأمن القومي الكوري الشمالي وانتهاكًا للسيادة البحرية.
التحليل الفني والمواصفات
من الزاوية التقنية، تُظهر الصور التي بثتها وكالة KCNA الغواصة مطلية بلون بني مائل إلى الأحمر، وهو لون يُستخدم عادة كـطبقة أساس (Primer) قبل الطلاء النهائي الأسود، ما يشير إلى أن الغواصة لا تزال في مراحل ما قبل الإطلاق. هذا يعكس أن العمل لم يكتمل بعد على مستوى تركيب الأنظمة الداخلية، والعزل الصوتي، واختبارات الأمان الهيكلي. ويُعد عرض الغواصة بالحجم الكامل للمرة الأولى مؤشرًا على انتقال المشروع من مرحلة التطوير النظري إلى مرحلة تصنيع فعلي متقدمة، وهو تطور لافت مقارنة بالسنوات السابقة.
تقدير الإزاحة بنحو 8,700 طن يضع الغواصة الجديدة ضمن فئة الغواصات الكبيرة، ويرجّح تصنيفها كغواصة حاملة لصواريخ باليستية (SSBN) أو على الأقل غواصة صواريخ موجهة استراتيجية. هذا الحجم يمثل قفزة واضحة مقارنة بغواصة Hero Kim Kun Ok التي أُطلقت في سبتمبر 2023، والتي كانت تعتمد على الدفع التقليدي وكانت أصغر بكثير.
تُظهر مقدمة الغواصة ستة أنابيب طوربيد، يُرجّح أن تكون من العيار القياسي 533 ملم. هذا التكوين يدل على أن الغواصة لن تكون منصة استراتيجية فقط، بل ستحتفظ بقدرات قتال بحري تقليدية، تشمل الطوربيدات الثقيلة وربما صواريخ كروز تُطلق من أنابيب الطوربيد، ما يعزز مرونتها العملياتية.

أحد أبرز المؤشرات التقنية هو التغيير الجذري في تصميم السارية (Sail)، التي أصبحت أكبر حجمًا وتضم ما يشبه حدبة واضحة، وهي سمة معروفة في الغواصات الحاملة للصواريخ الباليستية. هذا التصميم يرتبط عادة باستيعاب أنابيب إطلاق عمودية لصواريخ باليستية تُطلق من تحت الماء (SLBM)، ويرجّح ارتباطه بعائلة صواريخ Pukguksong، ولا سيما النسخ البحرية التي اختُبرت سابقًا.

رغم غياب تأكيد رسمي حول نوع الدفع، فإن حجم الغواصة يجعل من الدفع النووي الخيار الواقعي الوحيد. ويُرجّح أن تسعى كوريا الشمالية لاستخدام يورانيوم عالي التخصيب يسمح بتشغيل المفاعل طوال العمر التشغيلي للغواصة دون إعادة تزويد بالوقود، وهو نهج يختلف جذريًا عن الخطط الكورية الجنوبية. لكن هذا المسار يفرض تحديات تقنية هائلة، تشمل العزل الصوتي وتقليل البصمة الصوتية، وأنظمة تبريد المفاعل، والتكامل الآمن بين الدفع النووي وأنظمة الإطلاق، وموثوقية القيادة والسيطرة في بيئة مغلقة ومعقدة.
في هذا السياق، تكتسب التقارير الاستخباراتية الكورية الجنوبية أهمية خاصة، إذ أشار وزير الدفاع في أكتوبر 2025 إلى احتمال حصول بيونغ يانغ على دعم تقني روسي. وتشمل هذه المساعدات المحتملة، وفق تقارير غير مؤكدة، مكونات مفاعلات نووية وتوربينات وأنظمة تبريد مأخوذة من غواصات روسية متقاعدة، وهو ما قد يفسر التسارع الملحوظ في وتيرة المشروع.
غواصة نووية… نقلة نوعية محتملة
إذا صحت المواصفات التي أعلنتها بيونغ يانغ، فإن الغواصة الجديدة تمثل قفزة نوعية كبيرة في القدرات البحرية الكورية الشمالية. فالغواصات العاملة بالطاقة النووية تمنح الدولة المالكة لها قدرة بقاء طويلة تحت الماء، ومدى عملياتي شبه غير محدود، ومرونة أعلى في الانتشار مقارنة بالغواصات التقليدية العاملة بالديزل والكهرباء.
ويرى محللون عسكريون أن غواصة بوزن 8,700 طن تُصنف عمليًا ضمن فئة الغواصات الحاملة للصواريخ الباليستية (SSBN)، أو على الأقل غواصات صواريخ موجهة استراتيجية، ما يفتح الباب أمام نشر صواريخ باليستية مزودة برؤوس نووية من البحر، وهو ما يعزز ما يعرف بـ”الضربة النووية الثانية”.
الصور التي بثتها KCNA أظهرت ما وصفه محللون بأنه هيكل ضغط شبه مكتمل، مع ملامح خارجية تتسق مع تصميمات الغواصات الاستراتيجية، بما في ذلك مقاطع يُعتقد أنها مخصصة لأنابيب إطلاق صواريخ. ووفق تقديرات خبراء، فإن حجم الغواصة يشير إلى استخدام وقود نووي عالي التخصيب، قد تتجاوز نسبة تخصيبه 90%، ما يعني أن مفاعل الغواصة قد لا يحتاج إلى إعادة تزويد بالوقود طوال عمرها التشغيلي.
في حال تأكد ذلك، فإن كوريا الشمالية ستكون قد حققت إنجازًا تقنيًا معقدًا، بالنظر إلى القيود الدولية المفروضة عليها، وهو ما يثير تساؤلات حول مصادر المعرفة التقنية ومستوى النضج الصناعي الذي بلغته.
مقارنة مع كوريا الجنوبية
في المقابل، تحاول بيونغ يانغ تبرير برنامجها عبر الإشارة إلى خطط كوريا الجنوبية لبناء غواصات تعمل بالطاقة النووية. إلا أن سيول أكدت مرارًا أن هذه الغواصات ستكون تقليدية التسليح، وأن الهدف منها هو تعزيز القدرة على البقاء والتخفي لفترات طويلة، وليس حمل أسلحة نووية.
كما أن التصاميم الكورية الجنوبية يُتوقع أن تعتمد على يورانيوم منخفض التخصيب بنسبة تقارب 20%، ما يتطلب إعادة تزويد المفاعل بالوقود كل نحو عشر سنوات، على عكس ما يُعتقد أن كوريا الشمالية تسعى إليه.
أبعاد الردع الإقليمي والدولي
من منظور استراتيجي، فإن امتلاك كوريا الشمالية لغواصة نووية قادرة على حمل صواريخ باليستية سيعني توسيع الردع النووي الكوري الشمالي إلى المجال البحري، بعد أن كان يتركز أساسًا على الصواريخ البرية. هذا التطور من شأنه أن يعقد حسابات الولايات المتحدة وحلفائها، ويزيد من صعوبة تتبع وتحييد القدرات النووية الكورية الشمالية في أي سيناريو تصعيدي.
ويرى الخبير الكوري الجنوبي ليم إيل-تشول أن هذا المشروع لم يعد مجرد فكرة نظرية، بل أصبح “واقعًا ناشئًا” يمكن أن يشكل تهديدًا ليس فقط لكوريا الجنوبية، بل للأراضي الأمريكية نفسها في المدى الأبعد.