النسخة العربية - الخميس 2 أبريل 2026 توقيت جرينتش: 20:52

دفاع بلس

برنامج الصواريخ الإيراني: من زلزال إلى فتاح المسار العامل بالوقود الصلب

بدأ برنامج الصواريخ الإيراني في الثمانينيات عبر مسار الوقود السائل، بالاعتماد على صواريخ شهاب المشتقة من صواريخ سكود السوفيتية، التي طورتها لاحقًا كوريا الشمالية. لم يكن الهدف مجرد نقل التكنولوجيا، بل تحسين المدى والدقة تدريجيًا، حتى ظهرت عائلات مثل قدر، عماد، وخرمشهر، التي وفرت لإيران قدرات إطلاق باليستية متوسطة وطويلة المدى يمكنها ضرب أهداف استراتيجية.

مع ذلك، لم يكن هذا المسار وحده ما شكّل البرنامج الصاروخي الإيراني؛ فقد عملت إيران منذ البداية على مسار موازي يركز على الوقود الصلب، وهو مشروع محلي بالكامل. هذا المسار المبكر، الذي بدأ قبل استيراد سكود، شكّل أساسًا لتطوير صواريخ دقيقة وسريعة التشغيل تقلل الاعتماد على الخارج.

بداية مسار الوقود الصلب في برنامج الصواريخ الإيراني

أثناء الحرب العراقية‑الإيرانية، ظهرت صواريخ نازعات وزلزال كأول تجربة إيرانية للوقود الصلب. لم يكن زلزال صاروخًا باليستيًا متقدمًا، بل أقرب إلى صاروخ مدفعية ثقيلة، يبلغ مداه نحو 160 كيلومترًا، لكنه يفتقر للدقة. ومع ذلك، فقد كان زلزال مختبرا حقيقيا لتقنيات صب الوقود الصلب، وتصنيع المحركات وتحمل الحرارة العالية والضغط، وهو ما شكل خبرة مهمة لمراحل التطوير المستقبلية.

وقد مكّنت هذه التجارب إيران من بناء خبرة في الكيمياء الصناعية والمواد المركبة، ما أصبح لاحقًا العمود الفقري لتطوير صواريخ موجهة وقادرة على حمل رؤوس حربية ثقيلة مع دقة متزايدة.

صاروخ زلزال والذي يعتبر نواة مسار الوقود الصلب في برنامج الصواريخ الإيراني
صاروخ زلزال والذي يعتبر نواة مسار الوقود الصلب في برنامج الصواريخ الإيراني

الانتقال من زلزال إلى فاتح 110

بعد سنوات من التجارب على زلزال، طور المهندسون الإيرانيون نظام ملاحة بالقصور الذاتي محلي الصنع. رغم بساطته في البداية، كان كافيًا لتحويل صاروخ غير موجه إلى صاروخ موجه. تم دمج هذا النظام مع صاروخ مشتق من زلزال، ليظهر فاتح 110 في بداية الألفينات، كأول صاروخ إيراني موجه بالكامل بالوقود الصلب، بمدى 200 كيلومتر وخطأ دائري يقدر بحوالي 500 متر.

هذا التحول لم يكن نهاية الطريق، بل بداية مرحلة جديدة في تاريخ البرنامج، حيث استغرق الانتقال من زلزال إلى فاتح 110 ما يقارب خمسة عشر عامًا من العمل والتجارب المكثفة، ما أدى إلى إنشاء أساس قوي لتطوير صواريخ أكثر دقة وأطول مدى.

https://upload.wikimedia.org/wikipedia/commons/3/3d/Fateh-110-parade.jpg
صاروخ فاتح 110 والذي يعتبر نواة مسار الوقود الصلب في برنامج الصواريخ الإيراني

تحسين الأداء والمواد نحو نسخ أفضل

مع دخول فاتح 110 الخدمة، توسع البرنامج بشكل كبير، وبدأت مراكز البحوث العسكرية في إيران العمل على تحسين كل عناصر التصميم. شملت التحسينات تطوير خلطات وقود صلب أعلى طاقة، واستخدام مواد مركبة أخف وزنا لتقليل إجمالي الكتلة، وتحسين أنظمة التوجيه والرؤوس الحربية.

كما تم تطوير مركبات إعادة الدخول لتعزيز فعالية الإصابة، وهو ما سمح بتحقيق أداء أكثر دقة وموثوقية للصواريخ في مختلف الظروف الجوية والتشغيلية.

التكامل مع برنامج الفضاء

استفاد مسار الوقود الصلب بشكل كبير من برنامج الفضاء الإيراني، عبر استخدام صاروخ بحثي باسم خافوشجر كمنصة اختبار لتقنيات جديدة.

تضمنت هذه التجارب اختبار أنظمة التوجيه، وخلطات الوقود، والمواد المركبة، وتصاميم مركبات إعادة الدخول، بحيث يمكن تركيب أي تطوير جديد على خافوشجر واختباره في بيئة واقعية. هذا التكامل ساعد على تسريع وتيرة التطوير العسكري مع ضمان مستوى عالٍ من الموثوقية والأداء.

وتتجلى ثمار هذا التطوير في صاروخ سجيل، الذي يجمع بين الخبرة المكتسبة من مسار سكود والمسار المحلي للوقود الصلب. ويتميز سجيل بقدرته على حمل حمولات تصل إلى 700 كيلوجرام ومدى يصل إلى نحو 2,000 كيلومتر، مع زمن إعداد قصير وقدرة عالية على المناورة، ما يجعله صعب الاستهداف من قبل الدفاعات الجوية.

تطورات عائلة فاتح بين 2009 و 2019

بين 2009 و2019، شهدت عائلة فاتح تحولات هامة: فكل جيل كان أخف وزنًا وأكثر دقة وأطول مدى، حتى وصل مدى بعض النسخ إلى 300 كيلومتر. ظهرت نسخ مثل خليج فارس وهرمز بسرعات تتجاوز 4 ماخ لضرب الأصول الأمريكية في الخليج.

وفي 2015، كشف إيران عن صاروخ فاتح 313، بمدى 500 كيلومتر، مع تحسينات في التوجيه والدقة، وأضافت بعض النسخ حساسات بالأشعة تحت الحمراء، لتحسين الاستهداف النهائي. وقد تبع ذلك الكشف صاروخ ذو الفقار في 2016، الذي استخدم فعليًا في سوريا عام 2017، ما أكد قدرة البرنامج على العمل في بيئة قتالية حقيقية.

الذروة التكنولوجية وظهور دزفول وفتاح 1 وفتاح 2:

بلغت التطورات ذروتها مع صاروخ دزفول، الذي تجاوز مداه 1,000 كيلومتر والقادر على حمل رأس حربي يصل إلى 700 كيلوجرام، وهو أول صاروخ من عائلة فاتح يتجاوز حاجز الألف كيلومتر.

رسم معبر عن المسار الثاني لبرنامج الصواريخ الإيراني من زلزال إلى دزفول
رسم معبر عن المسار الثاني لبرنامج الصواريخ الإيراني من زلزال إلى دزفول

ومن نفس الخط ظهرت صواريخ فتاح 1 وفتاح 2، وهي اليوم قمة ما وصلت إليه التكنولوجيا الإيرانية في الصواريخ الموجهة بالوقود الصلب، وتعتمد بشكل شبه كامل على تقنيات محلية في الدفع والتوجيه والمواد المركبة.

بهذا المعنى، لم تكن عائلة فاتح مجرد صواريخ تكتيكية قصيرة المدى، بل كانت العمود الفقري لبرنامج الوقود الصلب الإيراني. البرنامج بدأ بصاروخ مدفعية ثقيلة بمدى 160 كيلومترًا، ووصل اليوم إلى صواريخ تتجاوز 1,000 كيلومتر، ما يمهد الطريق لتطوير صواريخ فرط صوتية قادرة على اختراق أنظمة الدفاع الصاروخي الحديثة، وهو ما ستكشفه الحلقات القادمة من السلسلة.

Avatar photo

الكاتب لم يضف معلومات شخصية بعد.
عدد المقالات: 162

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *