تعد المقاتلة السويدية متعددة المهام Saab JAS-39 Gripen E واحدة من أكثر الطائرات الأوروبية إثارة للاهتمام في الساحة العسكرية الحديثة، لما تجمعه من كفاءة تشغيلية عالية، وتكلفة منخفضة نسبيا، وقابلية استثنائية للتكيف مع بيئات القتال الصعبة.
ومع إعلان أوكرانيا عزمها على اقتناء 100 إلى 150 مقاتلة من هذا الطراز ، بدأت دوائر الخبراء تطرح تساؤلات حول ما إذا كانت Gripen E قادرة على إحداث نقلة نوعية في الصراع الجوي مع روسيا، في ظل بيئة عملياتية معقدة تتخللها أنظمة دفاع جوي متقدمة مثل S-400 ومقاتلات تفوق جوي متطورة من طراز Su-35.
,في هذا التقرير، نعرض تحليلا شاملا لأهمية المقاتلة، مواصفاتها، ميزاتها التشغيلية، تكلفتها، ودورها المحتمل في موازين القوة الجوية داخل أوكرانيا.
- لماذا تعد Gripen E مهمة لأوكرانيا؟
- المواصفات العامة وأحدث النسخ
- التكلفة التشغيلية وتحدي الحرب الطويلة
- شبكة دعم متعددة المصادر
- التوافق مع ترسانة الذخائر الغربية
- القدرة على العمل في بيئة قتال مشتعلة
- فرصها أمام نظام S-400
- مواجهة مقاتلات التفوق الجوي الروسية Su-35
- التكامل مع طائرات الإنذار المبكر
- بين الكفاءة والواقعية
- المصادر
لماذا تعد Gripen E مهمة لأوكرانيا؟
تكمن أهمية الصفقة السويدية-الأوكرانية في كونها أول مشروع متكامل للتعاون الدفاعي طويل الأمد بين البلدين، يشمل ليس فقط توريد الطائرات، بل أيضا برامج التدريب والصيانة ونقل الخبرة التكنولوجية.
فوفقا للاتفاق الموقع في أكتوبر 2025، تخطط كييف لاقتناء ما بين 100 و 150 طائرة من طراز Gripen E، مع احتمال استلام دفعة أولى من النسخة الأقدم C/D في عام 2026، ريثما يبدأ تسليم النسخ الأحدث خلال ثلاث سنوات من توقيع العقد.
من منظور استراتيجي، تمثل Gripen E خيارا مثاليا لدولة تخوض حرب استنزاف طويلة، فهي طائرة صممت لتكون عملية، سريعة الانتشار، وسهلة الصيانة، ما يمنحها قدرة على الاستمرار في القتال حتى في ظل تضرر البنية التحتية أو محدودية الإمدادات.
المواصفات العامة وأحدث النسخ
تنتمي Gripen E إلى فئة المقاتلات خفيفة الوزن متعددة المهام، ويبلغ طولها نحو 15 متر، مع جناحين بطول 8.6 متر، وسرعة قصوى تصل إلى 2 ماخ، ومدى عملياتي يقارب 1500 كيلومتر دون خزانات وقود إضافية.
أحدث نسخها، Gripen E/F ، مزودة بمحرك أمريكي الصنع من طراز GE F414G يمنحها قوة دفع تقارب 22 ألف رطل، إضافة إلى رادار من نوع AESA Raven ES-05 بقدرات تتبع متقدمة، وأنظمة حرب إلكترونية دفاعية وهجومية من أكثرها تطورًا في فئتها.

أما في ما يتعلق بالتسليح، فالمقاتلة قادرة على حمل تشكيلة واسعة من الذخائر الغربية:
- صواريخ جو-جو بعيدة المدى مثل Meteor و AMRAAM.
- صواريخ قصيرة المدى مثل IRIS-T و Sidewinder.
- قنابل موجهة مثل GBU-39/B و JDAM.
- صواريخ مضادة للسفن مثل RBS-15.
- صواريخ شبحية مثل JASSM و SCALP.
- ذخائر جو-أرض مثل Brimstone البريطانية.
هذه المنظومة المتنوعة تجعل Gripen منصة قتال متعددة الأدوار بحق، قادرة على تنفيذ مهام اعتراض، دعم أرضي، وقصف بحري في آن واحد.
التكلفة التشغيلية وتحدي الحرب الطويلة
في بيئة حرب مستمرة كالتي تواجهها أوكرانيا، لا تقل تكلفة التشغيل والصيانة أهمية عن القوة القتالية نفسها.
وتشير تقديرات مراكز الأبحاث الغربية إلى أن تكلفة ساعة الطيران الواحدة لطائرة Gripen E لا تتجاوز حوالي 5 إلى 7 آلاف دولار ، أي أقل بثلاثة إلى أربعة أضعاف من تكلفة تشغيل مقاتلات مثل F-16 أو Rafale.
هذه الميزة تمنح سلاح الجو الأوكراني قدرة على الحفاظ على وتيرة طلعات عالية دون إنهاك الميزانية، وتتيح للحكومة توجيه موارد إضافية نحو مشاريع أخرى أكثر إلحاحا، مثل الدفاع الجوي أو تطوير الطائرات المسيرة.
بمعنى آخر، تمثل Gripen E خيارا اقتصاديا في حرب استنزاف، يمكنه تأمين فعالية قتالية مستدامة بدلا من الحلول الباهظة قصيرة الأمد.
شبكة دعم متعددة المصادر
إحدى أبرز نقاط قوة المقاتلة السويدية تكمن في بنيتها المفتوحة أو ما يعرف بـ Open Architecture التي تسمح بدمج مكونات وأنظمة من مصادر مختلفة.
فمحركها أمريكي، ورادارها بريطاني-إيطالي الأصل، وأنظمة الاتصالات فيها قابلة للتكامل مع تجهيزات الناتو.
هذا التنوع يسهل على أوكرانيا الحصول على الدعم وقطع الغيار من عدة دول في حال تعرضت شبكات الإمداد لأي انقطاع.
كما أن شركة Saab أعلنت استعدادها لتوسيع إنتاجها في السويد والبرازيل وربما إنشاء مركز تجميع أو صيانة في دولة أوروبية قريبة من أوكرانيا لتأمين استمرارية الصيانة خلال الحرب.
التوافق مع ترسانة الذخائر الغربية
أثبتت التجارب السابقة، ولا سيما مع طياري أوكرانيا الذين خضعوا لاختبارات قيادة Gripen منذ عام 2023، أن الطائرة قادرة على التكيّف مع طيف واسع من الأسلحة الغربية.
هذا أمر بالغ الأهمية، إذ إن أوكرانيا تتلقى ذخائر من مصادر متعددة: الولايات المتحدة، بريطانيا، ألمانيا، فرنسا، والسويد نفسها.
وبفضل نظام إدارة تسليح مرن، تستطيع Gripen E أن تزود بصواريخ موجهة من مختلف المصانع، ما يقلل الحاجة إلى تخصيص خطوط لوجستية معقدة أو اعتماد دولة واحدة كمصدر رئيسي للتسليح.
القدرة على العمل في بيئة قتال مشتعلة
صممت Gripen E لتعمل من مدارج قصيرة أو طرق سريعة بطول لا يتجاوز 800 متر، وهو ما يمنحها ميزة نادرة في الحروب التي تتعرض فيها القواعد الجوية للقصف المستمر.
يمكن لفريق صغير من الفنيين تجهيزها للإقلاع خلال دقائق معدودة، كما يمكن نشرها وتشغيلها من مواقع متفرقة في الميدان، مما يجعل استهدافها مهمة صعبة على القوات المعادية.
هذه القدرة على العمل اللامركزي تتناسب تمامًا مع الواقع الأوكراني، حيث تُستهدف البنى التحتية الجوية بشكل متكرر.
فرصها أمام نظام S-400
من الطبيعي أن يتساءل المراقبون عن قدرة Gripen E على مواجهة منظومة روسية قوية مثل S-400 تريومف.
الحقيقة أن الطائرة ليست مصممة لاختراق الدفاعات بعيدة المدى بشكل مباشر كما تفعل طائرات شبحية مثل F-35، لكنها تمتلك حزمة قوية من أنظمة الحرب الإلكترونية تستطيع التشويش على الرادارات الروسية وتقليل احتمال الكشف.
كما أن استخدامها لصواريخ بعيدة المدى من نوع Meteor يمنحها القدرة على الاشتباك مع المقاتلات الروسية قبل دخول نطاق S-400، ما يسمح بتكتيك الضرب من الخارج دون تعريض الطيارين لمخاطر كبيرة.
ورغم أن التغلب الكامل على منظومة S-400 يبقى تحديا كبيرا لأي مقاتلة غير شبحية، فإن Gripen E يمكنها المساهمة في إضعاف تغطيتها وتحييد بعض عناصرها بالتعاون مع الطائرات المسيرة وصواريخ الكروز وأنظمة الحرب الإلكترونية الأوكرانية. واذا كنت مهتم أكثر بهذا الموضوع اقرأ المقال التالي بعنوان: نظام S-400 درع السماء الروسية بين الأسطورة والاختبار الميداني.
مواجهة مقاتلات التفوق الجوي الروسية Su-35
في ساحة القتال الجوية، تبقى Su-35 أحد أخطر التحديات أمام أي طائرة أوكرانية. فهي مقاتلة ثقيلة ثنائية المحرك، تمتلك مدى كشف طويل بفضل رادار Irbis-E القوي، وقدرة مناورة هائلة، وتسليح متقدم بصواريخ R-77-1 و R-37M بعيدة المدى.
لكن Gripen E، رغم كونها أخف وزنا، لا تعد خصما سهلا. فبفضل رادارها النشط AESA وأنظمة الحرب الإلكترونية المتقدمة، تستطيع تقليص ميزة الكشف التي تمتلكها Su-35، بل وتوظيف بصمتها الرادارية الصغيرة لتصعب عملية استهدافها.
كما تمنحها صواريخ Meteor البريطانية الصنع مدى اشتباك يصل إلى أكثر من 150 كيلومتر، ما يجعلها قادرة على إطلاق النار أولا في كثير من السيناريوهات.
إضافة إلى ذلك، فإن فلسفة القتال السويدية تعتمد على القتال الشبكي والتكتيكات الجماعية، بحيث تعمل المقاتلات في مجموعات صغيرة مترابطة، تشارك البيانات في الوقت الحقيقي، وتنفذ كمائن جوية ضد طائرات الخصم.
هذا الأسلوب، حين يدمج مع أنظمة الإنذار المبكر الأوكرانية، يمكن أن يمنح Gripen E فرصة حقيقية لتقليص تفوق Su-35 العددي والتكنولوجي.
وبالمقابل، في الاشتباك القريب (Dogfight)، تبقى Su-35 متفوقة في المناورة بفضل الدفع الموجه (Thrust Vectoring)، لكن Gripen E قد تعتمد على صواريخ IRIS-T قصيرة المدى عالية الدقة لتعديل كفة القتال في تلك المسافات الحرجة.
وبصورة عامة، يمكن القول إن Gripen E لا تهزم Su-35 بسهولة، لكنها تمتلك أدوات واقعية لتحقيق التكافؤ من خلال التخفي النسبي، الحرب الإلكترونية، والتنسيق الشبكي، وهي عناصر تناسب الأسلوب الأوكراني في القتال المرن القائم على الكمائن الجوية.
التكامل مع طائرات الإنذار المبكر
تعتمد فعالية المقاتلات الحديثة على مدى تكاملها مع منظومات الإنذار والسيطرة الجوية (AWACS). وفي هذا الجانب، تتميز Gripen E بقدرتها العالية على التواصل مع أنظمة الإنذار المبكر التي حصلت عليها أوكرانيا مؤخرا من الحلفاء الغربيين، عبر وصلات بيانات متوافقة مع شبكات الناتو.
هذا التكامل يتيح للمقاتلات تلقي معلومات دقيقة عن مواقع الأهداف في الوقت الحقيقي، ما يزيد من دقتها وفعاليتها القتالية، خاصة عند العمل في تشكيلات مختلطة مع مقاتلات F-16 المستقبلية.
بين الكفاءة والواقعية
رغم كل مزاياها، يجب النظر إلى مشروع Gripen E الأوكراني بعيون واقعية. فإدخال 150 طائرة جديدة في سلاح جو يتعرض للضغط المستمر يتطلب بنية تحتية ضخمة وبرامج تدريب طويلة المدى.
لكن في المقابل، فإن الصفقة تمثل استثمارا استراتيجيا سيحول سلاح الجو الأوكراني من منظومات سوفييتية قديمة إلى منصة حديثة متوافقة مع الناتو خلال عقد من الزمن.
السويد بدورها ترى في المشروع فرصة لتعزيز حضورها الصناعي والدفاعي عالميًا، إذ تخطط Saab لتوسيع إنتاجها ورفع قدرتها من 30 طائرة سنويا إلى أكثر من ذلك في غضون عامين، لتلبية الطلب الأوكراني والسوق الدولية.
في النهاية، تجسد المقاتلة السويدية Gripen E فلسفة الذكاء قبل القوة في عالم الطيران القتالي: طائرة خفيفة، متعددة المهام، منخفضة التكلفة، لكنها متطورة في أنظمتها وقدرتها على التكيف.
إنها ليست سلاحًا سحريا قادرا على قلب الموازين وحدها، لكنها لبنة رئيسية في بناء قوة جوية أوكرانية حديثة ومرنة، قادرة على الصمود في حرب طويلة الأمد، ومواصلة القتال حتى في أحلك الظروف.
وبينما تبقى منظومات مثل S-400 ومقاتلات Su-35 تهديدات صعبة، فإن Gripen E تمنح أوكرانيا ما كانت تفتقده لسنوات: المرونة، والاعتمادية، والقدرة على الاستمرار.
المصادر
- شركة ساب السويدية “Gripen E/F fighter system overview“.
- الحكومة السويدية “Sweden and Ukraine deepen air force cooperation” (22 أكتوبر 2025).
- موقع تكنلوجيا القوات الجوية “Gripen E Multirole Fighter Aircraft, Sweden“.
- وكالة رويترز “Sweden and Ukraine eye export deal for up to 150 Gripen” (22 أكتوبر 2025).
- موسوعة ويكيبيديا “Saab JAS 39 Gripen“.

